تهدف هذه المدونة للتعريف بإنتاج وحدة البحوث والتطوير بشركة ميديا إنترناشيونال.. أحد بيوت الخبرة العربية في مجال الإعلام الجديد..

‏إظهار الرسائل ذات التسميات وسام فؤاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وسام فؤاد. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

أنماط الاتصال في الميديا المعاصرة






في وسائط الإعلام اليوم لدينا ثمانية اتجاهات أساسية لأنماط الاتصال من الناحية النظرية. هذه الأنماط تتأسس على المزاوجة بين معيارين للتعرف على أنماط الاتصال. المعيار الأول هو معيار حضور المحتوى، والمعيار الثاني هو المعيار ما بعد التفاعلي.
وإذا بدأنا بالمعيار الثاني (معيار ما بعد التفاعلية) سنجد أنه يمنحنا توجهين لأنماط الاتصال: أولهما نمط الاتصال أحادي الاتجاه (One to Many) حيث العلاقة الإعلامية تتوزع ما بين مراكز لها القدرة على إنتاج المحتوى وهوامش أو أطراف لا تملك إلا استهلاك المحتوى، وثانيهما نمط الاتصال التشاركي (Many to Many) حيث العلاقة الإعلامية ليس بها مراكز؛ حيث الكل أطراف؛ بينهم بؤر تدفق اتصالي مكثف تتسم بالموثوقية من عدمها؛ أو الغزارة من عدمها؛ أو التميز النوعي من عدمه.. إلخ.
وأما عن المعيار الثاني: معيار المحتوى فسنجد أنه يمنحنا أربعة مجسات لندرك بها أنماط العمليات الاتصالية المختلفة. المجس الأول يتعلق بتوفر المحتوى نفسه أثناء العملية الاتصالية؛ وهو ما أسميته بالمؤشر الموضوعي. والمجس الثاني يتعلق بعدم وجود محتوى، ويكون موضوع الاتصال تعابير وجدانية ونفسية خلو من الأفكار في كثير من الأحيان؛ وهو ما أسميه: المؤشر الذاتي. أما المجس الثالث فيتعلق بتوفر إمكانات الوصول للمحتوى؛ وهو ما أسميته بالاتجاه التفاعلي أو الترويجي. وأما المجس الرابع فهو المحتوى الخدمي؛ وفيه يكون موضوع العملية الاتصالية خدمة يقوم بها أحد تكوينات العملية الاتصالية؛ وهو ما يمكن تسميته بالاتجاه الخدمي.
وفي هذا الإطار يكون لدينا نظريا هذه الأنماط الثمانية التالية:


أ – نمط الاتصال الموضوعي أحادي الاتجاه:


التوصيف: هو نمط الاتصال الأكثر شيوعا في وسائط الإعلام التقليدية التي تقدم محتوى ذا قيمة سوقية (وهذا سبب اعتباره نمط اتصال موضوعي)، وثمة محدودية كبيرة في الإمكانات التفاعلية (بريد القراء في الصحف – البرامج الحية في التليفزيون والراديو). لكن يجب ألا نظن أن هذا النمط يقتصر فقط على وسائط الإعلام التقليدية. فالإنترنت حتى عام 2003 كانت تسير في نفس الاتجاه حتى شهدت الثورة الديمقراطية المسماة ويب 2.0. ويجدر القول بأن إسلام أونلاين.نت حتى اليوم لا يزال نمطها الغالب الساحق هو نمط الاتصال الموضوعي أحادي الاتجاه، ولا يغير من ذلك تلك الطبيعة التفاعلية لخدمة مثل الحوارات الحية أو مثل الاستشارات لأن تفاعلية هاتين الخدمتين تجعلهما تنتميان لنمط الاتصال أحادي الاتجاه.


التقييم: بالرغم من حيوية هذا النمط الاتصالي، وبخاصة لدى من يرغب في تملك القوة الناعمة وأدواتها؛ إلا أن كثيرا من مكونات هذا النمط تتراجع، أو على الأقل يتنامى معدل انتشار بديلها. فلو نظرنا لتقرير المجلات الإخبارية أونلاين الخاصة بجوجل[1]سنجد أن عدد الإصدارات الإليكترونية من الصحف الأمريكية قد بلغ 2724 صحيفة، وفي المملكة المتحدة بلغ 27 صحيفة. وفيما يتعلق بالتليفزيون يمكننا أن نلحظ أن 10% جمهور الإنترنت في الولايات المتحدة في عام 2006 يستهلك تليفزيون الإنترنت بانتظام؛ و67% منهم يدخلون مواقع التليفزيون أونلاين كل يوم[2]. ناهيك عن توظيف القنوات الكبرى للإنترنت كمخزن للبرامج المهمة. وكل هذا التقدم على حساب الانسحاب من استهلاك الميديا التقليدية: الراديو والتليفزيون والصحف.


ب – نمط الاتصال الموضوعي التشاركي:


التوصيف: يتعلق هذا النمط بذلك المحتوى الموضوعي: نص أو وصت أو صورة أو فيديو الذي ينشره الجمهور أونلاين ويتشاركونه فيما بينهم. ولو أخذنا المدونات كمثال، سنجد أن الخبير ستيفن سبينسر قد نقل عن موقع Technorati في عام "2004" أن عدد المدونات يزداد بمعدل 23 ألف مدونة يوميا من بينها مليون وربع مدونة تنشأ ليوم واحد حتى تاريخه، وأن عدد التدوينات 400 ألفا كل يوم. وأن محركات البحث قد أفادت أن 11% من مستخدمي الإنترنت يطالعون المدونات بانتظام[3]. ولنا أن نتصور كم تطور الوضع في عام 2009 مع هجمة الجنوبيين على عالم المدونات بعد 2006. وقد قدر موقع Calson Analytics blogging عدد المدونات في عام 2006 بأنه يتزايد بمعدل 160 ألف مدونة شهريا[4]. ويشير موقع Nielsen Wire إلى أن استهلاك الموسيقى أونلاين قد زاد في منتصف 2009 بنسبة 1017%، وأن استهلاك الفيديو قد زاد في نفس الفترة بنسبة 397%[5].


التقييم: هذا الاتجاه يتزايد، حتى إن مواقع الإصدارات الإليكترونية للصحف والمواقع العالمية بدأت تتجه جديا لابتكار آليات لإدماج الجمهور في عملية إنتاج المحتوى.


ج – نمط الاتصال التداولي أحادي الاتجاه:


التوصيف: هو نمط من أنماط الاتصال يتعلق بالمحتوى ونشره؛ ولكن ليس بالمحتوى الأصلي؛ بل بإعادة تدوير المحتوى الأصلي؛ مع بعض التدخل في هذا المحتوى بما يضيف قيمة جديدة له تبرر إعادة نشره، وهذا النمط يعبر التقسيم الجيلي لوسائل الإعلام، حيث نجده قائم بوسائط الإعلام التقليدية كالصحف والمجلات والتليفزيون والراديو، بقدر ما نجده موجودا بوسائط الإعلام الجديدة كالإنترنت والموبايل وأجهزة البودكاست. حيث نجده في الصحف من خلال مجلات وصحف عروض الكتب ومراجعات الأفلام.. إلخ. ونجده بالتليفزيون عبر آليات الإعلانات المختلفة الخاصة بالمحتوى على القنوات المختلفة أو القنوات التي تعيد عرض المحتوى المقدم بمجموعة أخرى من القنوات ولعل أبرزها بالعربية قناة إم بي سي 4 التي تعيد عرض أهم البرامج الموجودة في وسائل الإعلام العالمية كبرنامج أوبرا ولاري كيج شو.. إلخ، وبعض الإذاعات وبخاصة الإذاعات الأهلية التي يكون جزءا وافرا من اتصالها إعادة بث محتوى منشور بالفعل. كما يتواجد نفس النمط بوسائط الإعلام الجديد، حيث ثمة مواقع هدفها إعادة نشر محتوى منتقى من مواقع أخرى، ومثيله في العالم العربي "شبكة الوحدة الإسلامية" وموقع "زواء" وشبكة "مراصد"، بالإضافة لإعادة إنتاج المحتوى عبر الهاتف الجوال والبود كاست. وهي أطر لا تتيح التفاعل؛ بل هي أحادية الاتجاه.


التقييم: هذا النمط من وسائل الإعلام له جمهوره. والواضح أن وفرة المحتوى لدرجة السيولة تدفع البعض للتركيز على نوعية معينة من المحتوى وإعادة عرضها؛ إما لفائدتها أو لوفرة جمهورها وتبعاته الاقتصادية. والإنترنت الجديدة - بصفة خاصة – تتيح تطبيقات وظيفتها انتقاء المحتوى وإعادة تشفيره ليمكن لموقع جديد استضافة هذا المحتوى وإعادة نشره.


د – نمط الاتصال التداولي التشاركي:


التوصيف: يتعلق هذا النمط بالمحتوى، ولكن ليس من قبيل المحتوى ذاته، بل من قبيل وسائل مبتكرة لتداوله وإعادة تدويره. ويتعلق هذا النمط الاتصالي بالإنترنت الجديدة والهاتف الجوال، حيث بدأت تعمل بعض المواقع لتوفير آليات لتداول المحتوى، ويأتي على رأسها مواقع علامات التداول Social Bookmarking. والفهرسة الاجتماعية Social Cataloging.. إلخ. ومن أمثلة المواقع التي تعنى بهذه الظاهرة على الإنترنت مواقع مثل Delicious وSites U Lik وClip Marks بالنسبة للإنترنت، وهناك بالنسبة للهاتف الجوال مواقع مثل Goojet لتداول المواقع و Vuclipلتداول الفيديو.


التقييم: باعتبار أن وسائط الإعلام الجديد هي الأقرب للمستخدم، حيث تعتمد على وسائط محمولة وسهلة الانتقال؛ وباعتبار الاعتماد على التشبيك الذي - يعني فيما يعني – القدرة على غربلة المحتوى وتداوله؛ فإن هذا النمط من أنماط وسائط الإعلام له سوقه الذي يتنامى يوما بعد يوم ويغلب على العمل فيه أن يكون مكملا وليس تنافسيا؛ وإن كان البعد التنافسي غير غائب. فمواقع التداول اليوم بدأت تتخصص بعضها يعمق فكرة علامات التداول وبعضها يقوم بالتشبيك على أساس الهوايات مثل الموسيقى iLike والفيديو Flixter والصور fotolog.. إلخ.


هـ - نمط الاتصال الخدمي أحادي الاتجاه:


التوصيف: الخدمة من أهم أنماط الاتصال اليوم في وسائط الإعلام. وبعض وسائط الإعلام تنشئ خصيصا لأجل تقديم خدمة؛ سواء أكانت الخدمات المقدمة استشارية أو للفضفضة أو للإعلان والتسويق والوساطة في العمليات التجارية المحدودة والواسعة النطاق. وغالبية هذه الخدمات أحادية الاتجاه (أي غير التفاعلية) توجد في كل وسائل الإعلام؛ بما في وسائل الإعلام الجديدة. ولو نظرنا للجانب الاستشاري لوجدنا مواقع وقنوات تليفزيونية وخدمات هاتف جوال ومحطات إذاعية تتخصص بتلك الخدمة. ولو نظرنا لخدمات التسويق والوساطة لوجدنا مواقع وقنوات تتخصص في تقديم هذه الخدمات عربيا وعالميا؛ وإن كان يغلب على هذه الخدمات الطابع المحلي؛ ويرقى للمستوى الإقليمي في بعض الحالات. وتطور الإنترنت الجديدة بصفة خاصة تطبيقات وظيفتها جلب نوعية معينة من المحتوى من مختلف مواقع الإنترنت، وهذه خدمة في ذاتها؛ بالإضافة للشكل التقليدي من الخدمات الذي يقدمه موقع مثل Mind Stream أو Remember the Milk، وهي مواقع لتنظيم الوقت والمجهود، بالإضافة للحالة النماذجية التي يقدمها جوجل من خلال Google Reader وGoogle Document، ونقول البريد الإليكتروني من قبيل نافلة القول.


التقييم: بالنظر لاتجاه جماهير وسائط الإعلام للتعاطي المكثف مع الوسائط الإعلامية التي تتجاوز المنظور الكلي وتتجه لتلبية الاحتياجات الشخصية لها؛ فإن هذا النمط من أنماط الاتصال موضع اهتمام، وينتظر اتساعه بصورة قوية؛ لأن طبيعة الخدمات التي تقدم وشخصيتها تجعل المواقع تضيق عن استيعاب هذا الكم الهائل من الاحتياجات الشخصية، وهو ما يجعل السوق ينتظر المزيد من مزودي المحتوى الخدمي.


و – نمط الاتصال الخدمي التشاركي:


التوصيف: هذه الخاصية خاصة بالإنترنت الجديدة وميديا الهاتف الجوال فقط والتليفزيون التفاعلي فقط. وربما اشترك في تقديم هذه الخدمة بعض أنماط الإذاعات بالغة المحلية في العالم الغربي، حيث نجد بعض هذه الإذاعات تتعامل مع جمهورها بشكل شخصي وفردي وليس باعتبار انتماء الإذاعة لعالم الإعلام الجماهيري Mass Media. وتبدأ أنماط الخدمات التشاركية من التشبيك لأجل التشبيك، ولا تنتهي بمواقع تشارك النص والصوت والصورة والفيديو والخواطر والأفكار وخطط العمل.. إلخ. كما تعد مواقع الألعاب أحد الأنماط الفرعية المعبرة عن هذا النمط العام. ويحدث نمط الاتصال هذا إن على الإنترنت أو الهاتف الجوال على حد سواء.


التقييم: هذا النوع من الخدمات يتنامى بسرعة قوية. وفي خلال فترات وجيزة وجدنا مواقع مثل Craig أو Perfspot يقفز ترتيبها من الرتب حول الرتبة 5000 إلى إحدى رتب المواقع المائة الأوائل. وموقع فيس بوك على سبيل المثال تجاوز اليوم 300 مليون مشترك، من بينهم 65 مليون مشترك نشط عبر الهاتف[6]. وهذا وضع لا يحتاج إلى تقييم؛ فقط نتحدث فيه عن نسبية الحضور الجماهيري لهذه النوعية من الخدمات.


ز – نمط الاتصال الذاتي أحادي الاتجاه:


التوصيف: هي نوعية من أنماط الاتصال يكون المحتوى فيها ذو طبيعة ذاتية تعكس نطاقات اهتمامات ضيقة جدا تصل لحد الفردية. وهذا النمط الاتصالي موجود ومحل إدراك من الخبراء والمراقبين. ويعد أبرز نماذج نمط الاتصال هذا ما يعرف بنمط إعلام العصابات والشلل، ويكون ذلك من خلال محطات إذاعية أهلية أو مواقع شخصية فردية أو حتى مدونات ليس هدفها الاتصال الجماهيري، وأحيانا ليس حتى الاتصال محدود العدد؛ بل النشر لمجرد التعبير عن الذات، وإن حدث اتصال فهو نتيجة غير مقصودة.


التقييم: لا توجد إحصاءات وفيرة متوفرة عن مثل هذا النمط الاتصالي. ونقص الإحصاءات ليس سمة تعاطي المراقبين مع هذا النمط الاتصالي وحده، بل هو سمة عامة تتعلق بإحصاءات عموم عضويات المستخدمين لمواقع الإنترنت على مستوى الكوكب بأسره.


ح – نمط الاتصال الذاتي التشاركي:


التوصيف: هو نمط معروف لدى المراقبين والمتخصصين باسم المحتوى المصغر، ويعرفه البعض تجاوزا باسم التدوين المصغر، وإن كنا نتحفظ على تسمية هذا النمط بأنه تدوين لوجود ما يشبه الاتفاق على أن التدوين تنطبق عليه خواص الحالة الإعلامية من قبيل تجميع أو عرض أو تحليل المعلومات المتعلقة بالاتجاهات أو القضايا أو الأفراد وفق نمط تغلب عليه حالة من التحيز تتفاوت درجة ارتفاعها من مدونة لأخرى. فالغالب على هذا النمط من أنماط الاتصال أنه بالغ الذاتية في اتجاهه العام؛ وإن كانت هذه الذاتية موضع تشارك لأن الجمهور يريد تجاوز الاجتماع حول المحتوى الموضوعي للالتفاف حول المحتوى الذاتي والاحتفاء به واستهلاكه؛ سواء أكان ذلك من قبيل التلصص المسموح به أو من قبيل المشاركة الوجدانية.. إلخ. لكن لا ينبغي القول بأن هذا النط ذاتي بنسبة 100%. فالوسيلة تحمل إمكانية الاستهلاك الموضوعي. وهذا هو سر الطفرة في التعامل مع تويتر عقب خبرة الانتخابات الأمريكية ثم الإيرانية.


التقييم: هذا النمط من المواقع يتنامى بسرعة كبيرة. ولو أخذنا Twitter على سبيل المثال سنجد دراسة للمتخصص في شؤون الإنترنت الجديدة Daniel Scocco يؤكد في 18 مارس 2009 أنه أنشأ 3 حسابات تجريبية على Twitter والفارق بين إنشاء كل منها كان 10 ثوان، ومع كل مرة يظهر تنبيه إلى أن عدد المشتركين زاد من 25,272,447 عقب الاشتراك الأول إلى 25,272,534 عقب الاشتراك الثاني؛ إلى 25,272,591 عقب الاشتراك الثالث؛ مما يجعل هذا الموقع ينمو بمعدل ما بين 5 إلى 6 أعضاء في الثانية الواحدة[7]. وهناك عشرات المواقع التي تعنى بهذا النوع من الاتصال بالغ الذاتية وإن كان في سياق تشاركي.




==============================
[1] - http://www.google.com/Top/News/Newspapers/Regional/
[2] - Internetnews.com, Online TV Gaining Market Share, October 27-2006.
[3] - Stephan Spencer, Blogging Stats, Stephan Spencer Scatterings, 31-12-2004.
[4] - Calson Analytics blogging, blog statistics and demographics, 2007.
[5] - Nielsen Wire, Social Media Stats: Myspace Music Growing, Twitter’s Big Move, 17-07-2009.
[6]- Mark Zuckerberg, Social Media Stats: Facebook Passes 300 Million Users (Worldwide); Twitter Continues to Grow in U.S., Resource Shelf, 2009 Stats.
[7] - Daniel Scocco, How Many Users Does Twitter Have?, Daily Blog Tips, 18-03-2009.




الأحد، 22 فبراير 2009

سمات الحضور العربي الثقافي والاجتماعي على موقع فيس بوك






أفاد عدد من التقارير الإعلامية حول ظاهرة حضور الشباب العربي على موقع فيس بوك بأن الشباب العربي على الإنترنت يستهلكون هذا الموقع باعتباره وسيلة للتواصل مع الجنس الآخر، وأن هذا التواصل ذي الخلفية البيولوجية ليس تواصلا مقصورا على دوائر التشبيك التي ينتمي إليها الشباب العربي، بل إن الشباب العربي يحرص على تجاوز هذه الظاهرة للحيز المكاني لتصبح ظاهرة عبر قومية. لكن هذه الظاهرة ليست كل الاهتمام العربي بموقع فيس بوك إذ أن الحضور الثقافي للعرب على هذا الموقع له عدة مظاهر، من بينها الجنس؛ لكنه ليس كل المتحصل من هذه العلاقة التي يمكن القول بأنها بداية العلاقة ما بين الشاب وفيس بوك؛ والتي سرعان ما تتطور لتأخذ مناح أكثر جدية وأبعد بونا عن العلاقات الاجتماعية المؤسسة على أرضية التلهف الجنسي. فما هي تلك الأرضيات الثقافية الجديدة التي سرعان ما ينتقل إليها مستخدم موقع فيس بوك؟ وفي أي مناح تتركز هذه الأرضيات؟ وإلى أي مدى تبلغ في تعاملها مع تلك الأرضيات؟ وإلى أي حد يمكن وصف هذا السلوك بأنه القاعدة الجماهيرية وأن ما عداه يكون استثناءا يخص نخبة الشباب وحدها؟ هذه الأسئلة نحاول تقديم إجابات عنها في هذه السطور.


عم نتكلم.. ماذا يقدم الفيس بوك للعرب؟

نحن نتكلم عن السمات الثقافية للحضور العربي على موقع فيس بوك. ولدينا هنا 3 مفردات لنلقي عليها الضوء سريعا قبل أن ندخل في صلب. وسبب رغبتنا في تحديدها أنها عناصر فارقة في تحديد كيفية ونطاق تناولنا لهذا الموضوع الذي لا تزال المعلومات فيه قاصرة ومحدودة برغم أن المفترض بالعالم الرقمي أن ييسر لنا الحصول على مثل هذه المعلومات والبيانات؛ وذلك بحكم تعريف كلمة رقمي التي تعني في النهاية أن كل شئ مجهز لكي يستوعبه الحاسوب. وبرغم هذا التوجه التقني العالمي؛ إلا أن ذلك لا يفيد في التعرف على أبعاد التعامل البشري مع الإنترنت. ففي كثير من الأحيان تعطينا مواقع الإحصاءات نتائج متضاربة تتنافى ومعنى الرقمنة Digitization؛ وبخاصة عندما تكون الفوارق كبيرة لا تقع ضمن هامش الخطأ التقديري للمعالجات الإحصائية. وعندما نقترب من المنطقة العربية تزداد الحالة الضبابية ويندر أن نحصل على رصد معلوماتي أو بياناتي دقيق. وهو ما سنحاول في هذه المساحة التغلب عليه عبر الالتفافات المعتادة على أوجه قصور البيانات.

ويرجع اهتمام الشباب العرب بموقع فيس بوك إلى أن هذا الموقع تجاوز في قدراته التواصلية كل الإمكانات التي كانت تتيحها الإنترنت الكلاسيكية من ماسنجر ومجموعات بريدية ومنتديات.. إلخ. فهذه الخدمات لا تحقق درجة الإشباع في التواصل، حتى ولو بلغت أوجها التقني عبر آليات Web Cam وVideo Conferences. وفيس بوك هو موقع من ضمن مواقع الإنترنت الجديدة التي ثارت على إنترنت كانت بمثابة كشك لبيع الصحف. كانت الإنترنت القديمة حكر على أصحاب رؤوس الأموال، يقوم فيها من يملك بعض رأس المال بإنشاء المواقع؛ وتوجيه الرسائل الاتصالية لمن يشاء وقتما يشاء؛ بينما يحرم عموم مستخدمو ومرتادو الإنترنت من هذا الحق المرتبط بإتاحة الإنترنت. ولم تلبث هذه الإنترنت القديمة التي كانت معروفة باسم www أن تحضرت لتذهب في غياهب التاريخ لتحل محلها كل من Web 2.0 وWeb 3.0. هذان الجيلان الجديدان؛ أو هذان المكونان للإنترنت الجديدة قضيا على أوليجاركية الإنترنت القديمة؛ وجعلا شبكة الإنترنت الجديدة أكثر ديمقراطية. ولأن الإنترنت تطورت في بيئة ديمقراطية فقد تبدت هذه الثقافة في تطوير آليات لمعاونة الجميع، وبخاصة الشرائح الاجتماعية التي لا تملك الثروة على رفع صوتها ليسمعه الجميع. هذا التطوير المرتبط ثقافيا ببيئة نشأته دفع الإنترنت الجديدة للتمركز حول مستخدم الإنترنت، وصارت مواقعها تدشن لا لخدمة مالكي رؤوس الأموال وحسب؛ بل لخدمة الجميع؛ بما في ذلك أصحاب الثروة، وبدأت هذه الديمقراطية الجديدة أونلاين بتكريس مواقع المدونات وتطويرها مثل Blogger وTIG، ثم مواقع الوسائط مثل Flickr وPicasa، وغيرها، ثم مواقع المساحات التي كانت تحاول الاقتصاد في مساحات التخزين، ثم ظهرت موجة مواقع التشبيك مثل Hi5 وOrkut التي لم يلبث موقع Face Book أن قفز بينها وتجاوزها بمجموعة خصائصه المتميزة التي لا يتسع المقام لذكر جميعها، لكن ما لابد من ذكره هنا هو قوته التشبيكية. فأهم خواص المرحلة الآنية للإنترنت أنها تتسم بسمة لابد من الاعتناء بها أيما اعتناء. ألا وهي بناء المجتمع أونلاين Community مع تزويد الخدمة التفاعلية جنبا إلى جنب. وليس المقصود ببناء المجتمع هنا أن الإنترنت الآنية تعمل كما سابقتها عن طريق توفير مساحة أو بند للمجموعات البريدية على نحو ما هو حاصل في، فالمجموعات البريدية صارت تاريخا نحكيه، ولا يمكن اعتبارها أداة فعالة اليوم. إن الفكرة التفاعلية اليوم صارت ترقى بالإنترنت على مستوى Cyber نفسه وليس المستوى Virtual إلى أن يكون بيئة تواصلية وملتقى في ذاته، وليس مجرد موقع به عدة أنشطة ما بعد تفاعلية. هذه الخاصية تجعلنا لا نتعامل مع الجانب التشبيكي والتجميعي للناس باعتباره أحد خدمات الموقع، بل باعتباره خدمة بينية بين كل الخدمات الأخرى. فالأصل في هذه المساحة التشبيكية أنها الهدف من وراء بناء كافة التطبيقات، وعليه فإن توصيفها بأنها بينية أو روح تسري في كل الخدمات التي يوفرها الموقع لابد وأن يكون السمة الأبرز والأوضح. حيث يمكن للمستخدم من خلال هذه الخاصية أن يستعرض كل التطبيقات ما بعد التفاعلية المتوفرة في الموقع من دون أن يضطر لقطع التواصل من أجل الانتقال من خدمة لأخرى. ففي هذه المساحة؛ يمكن للمستخدم ومن يشاركونه التجمع Community أن يتصفحوا كل المواد التي بين أيديهم، وتتاح لهم تحتها ومعها مساحات للنقاش، وأدوات تعبيرية مختلفة. والأكثر من هذا أن النزوع التشبيكي لهذه الإنترنت الآنية يجعل من عملية التعارف معلما بارزا من معالمه. فلم تعد هذه الوظيفة من مختصات برامج الزواج وإيجاد الرفيق التي باتت تاريخا، وإن كانت – عمليا – لا يزال ثمة إقبال على ما تقدمه من خدمة. والتطبيقات العاملة في هذه المساحة تضع إمكانيات متعددة لتوفير التعارف، وتعتمد مفاهيم حيوية في هذه المساحة، ولعل أهم هذه المفاهيم مفهوم Network الذي ينبه المنتمين إلى شبكة ربط معينة (بلد أو مدرسة وجامعة أو عمل) أن يلتقوا بعضهم البعض ويتعارفوا، ومنها مفهوم Match الذي يتيح للعزاب أن يتعارفوا، أو مفهوم Group وهو أقل هذه التطبيقات استخداما وشيوعا ويتيح الالتقاء على هدف ما للنشطاء، أو مفهوم Fan الذي يتيح تشكيل رابطة للإعجاب بشخص ما أو ظاهرة ما، أو مفهوم User الذي يتيح لمستخدم تطبيق معين أن يتعرف على أنشط مستخدمي هذا التطبيق، أو مفهوم Birthday لمواليد نفس اليوم.. إلخ. والمراقب لهذه السمة التعارفية يجد أن مفاهيم التشبيك في إطارها قد اتسعت. فقديما كنا بالكاد نتعرف على مفهوم المجموعة البريدية Group باعتباره المفهوم الأكثر انتشارا، يليه مفهوم Match. أما اليوم فقد صار لكل تطبيق إنترنت شبكته الخاصة، ولكل درجة انتماء شبكتها الخاصة، ولكل رمز بشري وغير بشري شبكته الخاصة. والأكثر من هذا أن دعوة الفرد لمجموعة من أصدقائه يجعلهم شركاء في دائرة تشبيك الصداقة بصورة تلقائية. ويمكن لأي مستخدم لهذه النوعية من مواقع الجيل الرابع أن ينشئ أية دائرة تشبيك يشاء. من المفاهيم المهمة جدا في صدد إنشاء أي موقع تشبيكي هي الخصوصية. وهو مفهوم يعني حماية أية بيانات تخص مستخدم الموقع؛ سواء أكانت بياناته الشخصية أو أصدقاؤه أو أنشطته. لكن الأكثر أهمية وإشباعا للإنسان العربي في فيس بوك أنه جعل هذا التواصل عبر أشكال متجددة وثرية وقوية المحتوى عبر ما يمكن تسميته بمنصة التطبيقات أو Application Platform. شكل منصة Platform لإنتاج تطبيقات تفاعلية تشبيكية صغيرة الحجم، ولم يقف الموقع عند حدود توفير هذه التطبيقات؛ بل تتوفر أيضا إمكانية تزويد المستخدمين للموقع بتطبيقات تفاعلية تشبيكية من بنات أفكارهم، مع سماح بنية الموقع باستقبال التطبيقات الجديدة بدون مشكلات تقنية. والتطور الأهم في هذه السمة الآن يتمثل في أن هذه المنصة تتيح الفرصة للمستخدمين بتكوين برامجهم التشبيكية الخاصة عبر إيجاد نمط أو أكثر من التطبيقات القابلة للتقييف Customization وتغيير المحتوى.

وهناك عدد كبير من التطبيقات التي يمكن لمستخدمي الموقع تطويرها وإضافتها، وتتركز هذه التطبيقات في مجال التطبيقات التي تستوعب الصور بصفة خاصة، وهي تطبيقات يمكن للمستخدمين استيعابها لإنتاج تطبيقات جديدة محدودة في مجال تقديم أشكال تعبيرية جديدة، أو تطبيقات للهدايا أو للحيوانات أو للطيور أو للورود أو لأغلفة الكتب أو للأطعمة. وهذه البرمجيات تعكس ثقافات صانعها. فمع هجمة الأسيويين المسلمين على موقع مثل Face Book وجدنا أن البرمجيات المتعلقة بالثقافة الأسيوية زادت بدرجة كبيرة. أما النوع الثاني الشائع فيتمثل في تطبيقات API التي تتيح تجميع الأخبار والعروض الكتب من مواقع يتم تحديدها سلفا عن طريق مطور التطبيق.

ولا شك في أن الحديث عن هذا المستوى من التشبيك يجعل من الضروري الحديث عن الخصوصية التي يتعامل في إطارها فيس بوك على ثلاث مستويات، أولها الخصوصية في مواجهة التطبيقات؛ حيث إن المعروف أن التطبيقات يمكنها الوصول للبيانات الشخصية للمستخدمين، ومن خلال هذا الوصول يمكن لأي أحد أو جهة التعرف على بيانات هذا الشخص. ومن هنا فإن أول معاني الخصوصية المتوفرة بمواقع الجيل الرابع أنها تمنح المستخدم حق الخصوصية في مواجهة التطبيقات، بحيث تتعرف التطبيقات على بياناته وأنشطته لكن لا تشاركها إلا بإذنه المباشر المتمثل في مربع الموافقة. وثاني مستويات الخصوصية تلك الخصوصية في مواجهة الأعضاء؛ فقد يكون المستخدم عضوا في أكثر من دائرة تشبيك، وليكن العائلة من ناحية والأصدقاء من ناحية ثانية، وهو لا يريد لدائرة الأصدقاء الاطلاع على نشاطاته العائلية، ناهيكم عمن لا يدخلون ضمن دوائر تشبيكه. وبهذا يكون للمستخدم أكثر من دائرة تشبيك يتحرك فيها بحريته. أما ثالث مستويات الخصوصية فهي الخصوصية في مواجهة الموقع ورغباته الاقتصادية (الإعلانات). حيث يمنح الموقع حصانة لبياناته من الاستخدام التجاري، وبخاصة الإعلاني، باستثناء تلك الإعلانات التي تتبع الآي بي الخاص بكل جهاز. ولا شك في أن الشباب العربي سينبهر بهذا المستوى الرفيع من احترام الخصوصية وتقديرها برغم أنها لا تزال منقوصة بعض الشئ. ومرد ذلك الانبهار إلى افتقار البيئة العربية لمثل هذا التقديس فيما يتعلق بخصوصيات الشباب، فهي خصوصيات منتهكة دوما على مستوى الأسرة والشارع والحكومة.

هذا عن فيس بوك وما يقدمه من إغواء للشباب العربي. فماذا عن الشباب العربي نفسه على فيس بوك من جهة البيانات الأولية. ومن خلال البيانات المتاحة يمكننا الإشارة إلى أن مستخدمي في العالم العربي فنجد عددهم يبلغ 31.638.640 نسمة، منهم 20.115.440 نسمة في الجناح الأفريقي، و11.523.200 نسمة في الجناح الأسيوي. والمرتبة الأولى من حيث الاستخدام الفعلي للعرب هي للسعودية في المرتبة الأولى، ثم كلا من مصر والمغرب في المرتبة الثانية ثم السودان، تليها الجزائر ثم الإمارات. أما عن نسبة الزيادة والتوسع في استخدام الإنترنت فتأتي في إطارها الصومال في المرتبة الأولى تليها السودان ثم المغرب ثم سوريا ثم الجزائر فالسعودية. وتبلغ الشريحة الشبابية الواقعة ما بين 18 و35 عاما ما نسبته 74% من جمهور الإنترنت. وهي الشريحة الأكثر أهمية بالنسبة لغالبية المواقع، وهي تكاد تكون الشريحة الحصرية التي تستهدفها الإنترنت الجديدة برغم أن هذه الإنترنت متاحة للجميع بموجب ديمقراطيتها التي أسلفنا الحديث عنها. ويبلغ عدد أعضاء موقع فيس بوك في أول عام 2008 حوالي 90 مليون عضوا ليسحب امتيازات العدد من المواقع في جميع أنحاء العالم؛ ومنها مواقع مثل AOL وMy Space التي شهدت مع توسع فيس بوك تراجع العضوية فيها بمعدل 10% في الوقت الذي يتنامى فيه معد التسجيل في فيس بوك؛ مما يعني أن توسع هذا الأخير يتم على حساب المواقع المنافسة. وحيث لا إحصائيات مؤكدة يوفرها موقع فيس بوك أسوة بعدد من المواقع التي يتسم أداؤها بدرجة شفافية عالية، تشير تقديرات الخبراء إلى أن من بين عدد مستخدمي الإنترنت من العرب البالغ عددهم حوالي 32 مليون مستخدما يبلغ تعداد العرب الأعضاء في موقع فيس بوك حوالي 6.4 مليون مستخدما، منهم في مصر وحدها 750 ألف مستخدم. هؤلاء الملايين الذين يزيدون على الستة هم من سنحاول تقديم قراءة في سمات حضورهم الثقافي.

ولكي يتفق الكاتب مع القارئ؛ فإن السمات الثقافية للحضور العربي على فيس بوك تعني أن ندرس محتوى ما يمارسه العرب على الفيس بوك من حالة قيمية تتعلق بتوجيه سلوكهم على فيس بوك. هذا يعني أننا لا نهمل أي جانب من الجوانب الحياتية العملية باعتباره أن مسماه بعيد عن مجال الثقافة، بل نعتبر أن جزءا من الحالة القيمية ينصرف لتأسيس نمط وعي ثقافي يحكم هذه المساحة من مساحات سلوكنا الاجتماعي على فيس بوك.


البنية التحتية للحضور العربي على فيس بوك

قبل الخوض في سمات الحضور الثقافي والاجتماعي العربي على فيس بوك؛ لابد من التعرف على البنية التحتية لهذا الحضور، وأن نقدم خلفية إحصائية حول هذا الحضور. والبنية التحتية كما نرتئيها تتمثل فيما يوفره فيس بوك من أهم خصائصه التي تميز بها عن غيره من المواقع؛ والتي تتمثل في توفيره منصة تطبيقات ويب عظيمة القيمة صغيرة الوزن في آن. هذه المنصة لا تتوفر بالموقع منذ لحظة اكتساب الفرد عضويته، بل يتولى الفرد بنفسه بناء مجموعة التطبيقات التي يريد التعاطي معها. ومن هذه اللحظة يمكن الشروع في دراسة البنية التحتية التي يستفيد بها العرب في صوغ سمات وملامح حضورهم الثقافي على فيس بوك. وبطبيعة الحال؛ لن يمكننا هنا تقديم دراسة مبنية على مسح حصري لكل الوجود العربي على فيس بوك، فرقم 6 مليون عضو لا يمكن تقصيه في مقال، ولكن يمكن القول بأن لدينا عينة عشوائية تبلغ حوالي 1500 عضوا؛ هذه العينة يمكن القول بأنها تمثل مختلف أطياف الحضور الشبابي العربي على هذا الموقع. فمنهم ذو التوجهات الثقافية النخبوية، ومنهم الشباب الذي يمكن اعتبارهم ممثلين لحالة رجل فيس بوك العادي – إن جاز لنا أن نقيس هذا المصطلح على مصطلح رجل الشارع العادي Lay Man.
ومن هذا المنطلق نبدأ لنقول بأن فيس بوك يملك حوالي 19 فئة من التطبيقات جلها من التطبيقات القائمة على مبدأ التشبيكي والبقية الباقية تعتمد نفس المبدأ التشبيكي والاجتماعي وإن كانت وظيفتها المركزية ليست التشبيك، هذه الفئات تتمثل فيما يلي: تطبيقات عرض الفيديو، وتطبيقات عرض الصور، وتطبيقات الاستماع للموسيقى، وتطبيقات أجندات الأحداث، وتطبيقات مجموعات الاهتمام، وتطبيقات التدريب، والدردشة، والمواعدة، والرياضة، والموضة، والألعاب، وتطبيقات عرض وجلب الأخبار السياسية، وتطبيقات تبادل الرسائل، وتطبيقات تداول وتشارك الملفات، وتطبيقات ذكريات السفر والرحلات، وتطبيقات استعراض الأطعمة والمشروبات، والتطبيقات ذات الطبيعة الاقتصادية، وتطبيقات الترفيه التي لا دلالة ثقافية لها في غالب الأحيان، وتطبيقات الهدايا التي تتعاظم أهميتها الثقافية، وتطبيقات التعبير عن الحالة النفسية.

ومن خلال استعراض العدد العشوائي من الأعضاء العرب (1500 عضوا) الذين تصفحت صفحاتهم الخاصة Profiles، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاما، عبر فترة ليست بالقصيرة من الزمن، يمكن القول بأن أكثر التطبيقات شيوعا لدى هؤلاء تتمثل في تطبيقات عرض الفيديو التي تنتشر بصورة مطلقة 100% بين العينة، توازيها تطبيقات تبادل الرسائل 100%، توازيها تطبيقات عرض الرسائل 100%، تليها تطبيقات الترفيه بحضور يبلغ 80% من العينة، ثم تطبيقات الهدايا بنسبة 70%، تليها تطبيقات المواعدة التي تنتشر لدى 57% من العينة، ثم تطبيقات مجموعات الاهتمام التي تحضر بين العينة بنسبة 35%، ثم تطبيقات الأحداث بنسبة 30%، وتوازيها تطبيقات التعبير عن الحالة النفسية (نصوص – رسوم جرافيك تعبيرية Emotions). بينما تكاد تختفي تطبيقات التدريب والعرض الصوت والموضة والتطبيقات الاقتصادية وتطبيقات الدردشة والرياضة وتبادل الملفات.


إطلالة عامة على الحضور العربي الثقافي والاجتماعي

لو تابعنا بعض تفاصيل حضور هذه الفئات من تطبيقات التشبيك وعرض المحتوى على فيس بوك لدى الحضور العربي؛ وذلك خلال فترة تصل إلى 6 أشهر من الزمن، سنجد أن التطبيقات التي تبرز الحضور الثقافي تتمثل في تطبيقات عرض الصوت والصورة والفيديو والرسائل والهدايا، نجد لها ما لمسناه من حضور ذو وزن عالي في الصفحات الشخصية للعينة، لكن لابد من القول بأن هذا الحضور الطاغي لهذه التطبيقات لم يترجم نفسه في صورة حضور ذاتي ثقافي واجتماعي.

فمن خلال وقفة تأمل للمحتوى الذي يتم عرضه في تطبيقات عرض الفيديو لدى العينة محل التأمل نجد أن المعروض في هذه التطبيقات تبلغ نسبة الحضور الأجنبي فيه 65% بينما نسبة الحضور العربي لا تزيد على 35%. ويغلب على هذه النسبة 35% أن تكون لقطات تسجيلية أو ملفات فلاشية تتضمن عبارات وصور دينية وتربوية. وغالبية الفيديو الذي يمكن القول بأنه يشكل 20% من نسبة الحضور العربي في تطبيقات عرض الفيديو تكون تسجيلية ذات طابع سياسي. بينما نجد أن تطبيقات عرض الصور تبلغ نسبة الصور الشخصية فيها 50%، والترفيهية 20%؛ بما في ذلك مساحة من الصور الإباحية الطابع، ونفس النسبة نجدها لصور تحمل عبارات دينية يغلب عليها أن تكون إسلامية مع حضور متواضع للصور التي تحمل عبارات مسيحية، وأخيرا تتبقى 10% من الصور التي يمكن القول بأن جلها الأعظم صورا سياسية.

أما تطبيقات عرض الرسائل فتتراوح نسبة الرسائل الشخصية فيها ما بين 30% إلى 35%، وتبلغ نسبة الرسائل الوعظية فيها حوالي 25%، والرسائل السياسية 20%، ورسائل إعلانية 10%، توازيها نسبة رسائل التطبيقات الأخرى 10%. ومجمل رسائل الوعظ والسياسة تكون بالنص العربي، مما يجعل تأثيرها وفاعليتها داخل مساحة العضوية التي تفهم اللغة العربية.

ومن الأمور المهمة التي لابد من أن نلفت الانتباه إليها أن تطبيقات الهدايا تحمل دلالات ثقافية عدة. فخلال فترة تركيز الكاتب على تصفح موقع فيس بوك، والتي استغرقت ما يربو على 6 أشهر، وجدت أن نسبة 60% من تطبيقات الهدايا تحمل طابعا ثقافيا. وخلال الفترة المذكورة شهد الكاتب هجمة تطبيقات آسيوية غزت موقع فيس بوك، وكانت هذه التطبيقات من صنع مستخدمين عاديين وليست من صنع مطوري برامج، وغلب على هذه التطبيقات أن تكون تطبيقات صور، لكنها كانت متفاوتة الوظائف. فبعض هذه التطبيقات صور لأكلات شعبية في مختلف دول شرق وجنوب آسيا، وبعضها كان صورا لمعالم سياحية بهذه الدول، وبعضها كان صورا لهدايا تذكارية لا يمكن لأي سائح يزور هذه الأماكن أن يغادر من دون الحصول على تذكارات منها، وبعضها صور لعادات شعبية مثل الملابس اليابانية المميزة لفتيات الجيشا في اليابان أو بعض الرياضات محلية الطابع مثل رياضة السومو، وبعضها كان صورا لما يجسد بعض الخصائص السكانية، ولعل أهمها صور لفتيات آسيويات؛ بعضها إباحي فاضح – كليا أو جزئيا - وبعضها محتشم يشير للجمال العام لشكل سكان هذا الجزء من العالم من دون إثارة.. إلخ. فكما سبق وقلنا نجد أن هذه التطبيقات حاضرة عند 70% من العينة، لكن نسبة إضافة الجديد لهذه التطبيقات كانت محدودة جدا. فالمصريون فقط هم من أنتجوا تطبيق أو تطبيقين يعكس مصريتهم، أما بقية المنتمين لدول عربية أخرى لم ينتجوا سوى عبارات المجاملة الاجتماعية والدينية: إسلامية ومسيحية، بما لا يكافئ نسبة حضورهم العددي. ولو أننا عرفنا أن نسبة العرب لإجمالي أعضاء فيس بوك هو 7%؛ فإننا يمكن أن نشير إلى أن إسهامهم في تحميل تطبيقات الهدايا بقيمهم الثقافية لا يكاد يبلغ 2%.

وفي المقابل، فإن تطبيقات المواعدة والترفيه التي تنتشر بين 80% من إجمالي العينة هي تطبيقات تحمل كلها الطابع الغربي، وإن كان الحضور العربي بها كثيفا. وفيما يلي من عرضنا للسمات سنعرج على هذه المسألة بقدر من التفصيل لا يتسع له المجال في بند إطلالة عامة.
لكن لو نظرنا لبعض التطبيقات الثقافية الصرفة مثل تطبيقات عروض الكتب، وتطبيقات التعليم والتدريب، لا نكاد نجد الإسهام العربي فيها يتعدى 1%؛ سواء أكان هذا الإسهام مجرد استحضار للتطبيقات أو كان مشاركة مباشرة.

لكن لا يفوتنا أن نضيف أن التطبيقات الثقافية الأكثر حضورا في الأوساط العربية هي التطبيقات التي تتعلق بالأحداث ومجموعات الاهتمام، وهي وإن كانت حاضرة لدى نسبة % من العينة، إلا أنهم يتعاملون معها بدرجة كثافة تجعل إسهامها في الوزن الثقافي العربي يفوق الوزن النسبي لحضورها. فلو كانت نسبة حضورهما تتراوح ما بين 30% و35% من بين إجمالي الجمهور العربي، إلا أن كثافة استخدامهما يمكن أن تبلغ 50% من إجمالي توظيف التطبيقات ما بين أعضاء العينة محل النظر.


سمات الحضور العربي: اجتهاد

في هذا الجزء أحاول أن أرصد مجموعة من السمات العامة للحضور العربي على فيس بوك اجتماعيا وثقافيا. وأود أن أضيف أن منهجي كتابة هذا الجزء مكون من أداتين أولاهما الملاحظة المباشرة، وثانيهما من خلال بعض الحوارات التي تبادلتها خلال تجوالي في فيس بوك مع بعض أعضائه. غير أن الأهم الذي أود الإشارة إليه أني حاولت قدر طاقتي أن أكون موضوعيا؛ لكن برغم هذا لا أدعي أن 1500 حالة من بين أكثر من 6 مليون حالة يمكن أن تكون مصدرا لإضعاف القول بأن هذه السمات موضوعية. ولهذا عنونت هذا الجزء من المقال بأنه محض اجتهاد تحرى بعض العلمية – احتراما لعقل القارئ وتقديره - لكنه قصر عن أن يكون علميا بدرجة صدقية وتعميم عالية، ولا يخفى أن في الإفصاح عن وجه القصور هذا تعبير عن عمق تقدير الكاتب لعقل القارئ.

أ – يمكن القول بصفة عامة بوجود انقسام بين الشباب العربي في فيس بوك بين استخدام هذا الموقع في إطار هدف اجتماعي، وبين استخدامي لتحقيق هدف نفسي. والهدف النفسي يتمثل في استخدام الموقع لغرض الترفيه والتواصل الممتع؛ سواء أكان هذا الإمتاع بدلالته الجنسية أو بدلالته التي تحملها التطبيقات الشيقة التي يعرضها فيس بوك. وتبلغ نسبة مستخدمي فيس بوك لغرض الترفيه والتواصل الممتع قرابة 60% من الشباب العربي المستخدم للموقع. أما الجانب الآخر من الاستخدام فيتوجه للاستخدام ذي الطبيعة الاجتماعية، والذي يغلب عليه أن يكون إما السياسة والإصلاح السياسي في الوسط العربي، أو التبشير بالدين والدعوة إليه والتذكير بتعاليمه واستحضاره في التعامل على مستوى البيئة الافتراضية، أو في الحث على فعل الخير ومباشرة النشاط الإغاثي المتمثل في مساعدة الفقراء وذوي الحاجة. ومن نافلة القول أن نشير إلى أن نسبة المتعامين مع فيس بوك من هذه الفئة يبلغون حوالي 40% من الشباب العربي.

ب – رصدت من خلال مطالعتي للعينة التي تجولت معها بموقع فيس بوك أن شريحة من المستخدمين لهذا الموقع في مجال الترفيه والتواصل الممتع إلى أن تعاملهم مع هذا الموقع لغرض التواصل يتم في إطار من الالتزام بالطابع المحافظ للثقافة العربية؛ بمعنى خلو نمط تعاملهم للتواصل من التواصل مع تطبيقات إباحية أو تطبيقات مواعدة لغرض اختراق الطابع المحافظ للمجتمع، وتبلغ نسبة هؤلاء حوالي 40% من نسبة 60% هم مستخدمو الموقع لغرض التواصل الممتع والترفيه (أي حوالي 20% من إجمالي مستخدمي الموقع من العرب). بينما النسبة المتبقية تتعامل مع فيس بوك باعتباره وسيلة للتواصل مع الجنس الآخر؛ سواء في إطار قومي أو في إطار يتجاوز حدود العالم العربي، ومن هؤلاء نسبة تبلغ 25% يستهلكوا المحتوى الجنسي الذي تقدمه هذه التطبيقات بصورة تحضر على صفحاتهم الشخصية على الموقع Profiles.

ج – من خلال بعض الحوارات التي دارت بيني وبين بعض الشباب المنتمين لهذه الشريحة التي تتعامل مع الموقع لغرض التواصل مع الجنس الآخر، علمت أن نسبة منهم كانت مهووسة في بداية تعاملها مع الموقع بالمحتوى الجنسي الذي تتيحه هذه التطبيقات، لكن هذا الهوس تراجع إلى حد كبير، وبخاصة بين أولئك الذي بدأ تواصلهم مع الجنس الآخر يقتصر على التعارف وتبادل النكات والمشاعر الاجتماعية العادية وتكوين الصداقات التي لا تتصاعد لدرجة ممارسة الجنس الافتراضي، بينما لا تزال نسبة 25% يستخدموا فيس بوك لممارسة الجنس الافتراضي، ولهذا النوع من الجنس حضوره بهذا الوزن في صفحاتهم الشخصية.

د – هناك اتجاه متنامي داخل فيس بوك لاستثمار هذا الموقع في مجال الإغاثة وعمل الخير. ويمكن القول بأن هؤلاء يمثلون 25% من مستخدمي الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي. ويتحرك هؤلاء لتحقيق أهداف من قبيل تزويد الفقراء بأغطية تلائم برد الشتاء، والتبرع بالدم، وإطعام الفقراء، والتبرع للجمعيات والمنظمات التي تساعد الفقراء.

هـ - ومن الشريحة التي تستخدم فيس بوك أيضا لتحقيق غرض اجتماعي نجد تلك الشرائح التي تنشط لتحقيق أهداف توعية سياسية، وتنتشر هذه الشريحة في دول قلب وشرق العالم العربي، وتكاد تقتصر في أفريقيا على مصر، بينما في الخليج نجد بينهم سعوديون وعراقيون وكويتيون ويمنيون. ولا يعني هذا نفي حضور النشاط السياسي عن كل الدول العربية، لكن المؤشرات التي سقناها هي تلك الحالات التي تعكس توهجا في الحضور. وبعض الحضور العرب في هذا الصدد ناشطون حقوقيون معروفون في العالم العربي يحاولون استثمار إمكانات هذا الموقع لتكوين رأي عام عربي موات لفكر نقد ومراجعة التصرفات الاستبدادية والمشينة لبعض الحكام، وحتى تلك الدول التي لا تقترف حكوماتها تصرفات مشينة نجد النشاط السياسي المرتبط بها على فيس بوك يكتفي بالمطالبة بتوسيع نطاق الحريات. ويقترن بهذا النشاط المعارض نشاط محدود موال للحكومات، وتبلغ نسبة المنخرطين في الأنشطة السياسية والأنشطة الثقافية المرتبطة بتوفير مردود سياسي حوالي 25% ممن يستخدمون الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي.

و – وينضم أيضا لفئة مستخدمي موقع فيس بوك لغرض تحقيق هدف اجتماعي أولئك الناشطين من كل الدول الذين يستخدمون فيس بوك تحت لافتة دينية، ونسبة المسلمين منهم تبلغ حوالي 95%؛ بينما 5% فقط من المسيحيين، وهو أمر ربما يرتبط بالحضور العددي للمسيحيين العرب على مستوى العالم العربي. ويبلغ إجمالي من يرفعون اللافتات الدينية حوالي 20% من مستخدمي الموقع من العرب لغرض تحقيق هدف اجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم مستخدمي الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي بين هذه الفئات الثلاثة لا يعني أن هذه الفئات منفصلة كل على حدة، بل هناك تداخل بين نشطاء سياسيين يرفعون اللافتة الإسلامية ونشطاء إغاثيين يرفعون اللافتة الإسلامية، ونشطاء يرفعون اللافتة الدينية المحضة. ويندر بين المسيحيين العرب أعضاء فيس بوك أن نجد من يقرن اللافتة الدينية باللافتة السياسية، لكن ليس نادرا أن نجد مسيحيين يرفعون اللافتة الإغاثية.

وبعد، كانت هذه قراءة في أهم وأبرز سمات الحضور الثقافي والاجتماعي للعرب على موقع فيس بوك. ويمكن القول بأن مساحة استخدام الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي مرشحة للزيادة والارتفاع، وبخاصة مع استمرار تعرف الشباب العربي على الإمكانات التدريبية والتعليمية لهذا الموقع، وأيضا في إطار تسارع معدل التراكم التقني الذي يجعل هذا الموقع ممتعا في التعامل معه لأي غرض كان ترفيهيا أو اجتماعيا أو تعليميا تدريبيا.

السبت، 24 يناير 2009

الإنترنت الجديدة والنضال من لأجل الشفافية والإتاحة المعلوماتية..


تحاول هذه الدراسة أن تجيب على التساؤلات التالية: الأول هو: هل أضافت الإنترنت الجديدة جديدا للنضال من أجل الإتاحة المعلوماتية Access to Information من حيث آليات الإتاحة وآليات التوصيل؟ والسؤال الثاني هو: ما اقترابات تناول الإتاحة المعلوماتية وما تمثله من قيد على مبدأ المعلوماتية؟ أما السؤال الثالث فيتمثل فيما يلي: هل غيرت الإنترنت الجديدة خريطة تدفق النضال من أجل الإتاحة المعلوماتية؟ وأخيرا، ما مساحة التجاوزات ضمن التطور في نماذج النضال من أجل الإتاحة المعلوماتية؟

لقد أضاف الإعلام الجديد لخواص قضية الإتاحة المعلوماتية أبعادا عديدة؛ بعضها إيجابي والبعض الآخر سلبي؛ فيما يخص الإتاحة ومساحتها ونماذج النضال المدني في سبيلها، سواء من حيث الإتاحة للبث أو من حيث الإتاحة للتداول. وكانت هذه الإمكانات من القوة والظرفية بحيث يمكن القول بأن ثورة في منظور النضال لأجل الإتاحة المعلوماتية قد برزت لحيز الوجود، برغم اشتمال تطبيقاتها على خروقات أخلاقية كثيرة غير مقبولة. فما هي إمكانات الإتاحة؟ وما أبعاد تأثيرها على النضال لأجل الإتاحة المعلوماتية؟ إجابة هذه الأسئلة سنجدها في العناصر المذكورة تاليا في هذه الدراسة.


القسم الأول: الإنترنت الجديدة والإتاحة المعلوماتية

لم تعد الإنترنت اليوم كسابق عهدها من حيث ديمقراطيتها. ويمكن القول بأن الإنترنت القديمة كانت لا تزال تتحرك بيننا منذ 1994 وحتى 2001 بمنطق النخبة ذات الخصائص الرأسمالية، حيث كان بث المواقع مرتبطا بتوفر السيولة المالية اللازمة لإطلاق موقع وإنجاز محتواه، وكانت مواقع الإنترنت في غالبها مواقع تعريف Brochure Sites وكانت مواقع المحتوى Content Sites قلة مقارنة بمواقع التعريف، وكانت مواقع خدمات الإتاحة المعلوماتية. ولا مندوحة في هذه النزعة التي يمكننا تسميتها بالبرجوازية الإليكترونية؛ فتدخل رأس المال مهم؛ وهو ما أسفر عن قدر هائل من التطور التقني، لكن هذا المنطق لا يتقاطع مع تطلعنا الديمقراطي حيال الإنترنت (1).

في إطار هذا النزوع الديمقراطي للإنترنت الجديدة؛ نجد أن Web 2.0 قد تطورت في اتجاه توفير قدر عال من دعم الإتاحة المعلوماتية يمكن بإيجاز رصد عناصره فيما يلي:

أ – بث المحتوى حق للجميع: فالثقة بالمستخدم ومنحه محورية في إنتاج المحتوى صار من أهم سمات مواقع الإنترنت الجديدة. ولم تكن هذه الخطوة ممكنة إلا بتوفير أو خلق الثقة الكاملة للمستخدم للمساهمة في بناء هذه الخدمة. فالمدونات، ومواقع علامات تداول المواقع، ومواقع التطبيقات الاجتماعية، ومواقع المحتوى المصور ومحتوى الفيديو، والموسوعات المجانية وعلى رأسها موسوعة ويكيبيديا؛ كل هذه المواقع تمنح المستخدم الثقة الكاملة في استخدام النظام وبث أي محتوى يرغب ببثه ونشره، ومن بعد ذلك يأتي دور مراقبي المواقع أو المحررين لتصفية المحتويات التي تخالف قوانين هذه المواقع، وربما لا يأتي؛ وذلك بحسب طبيعة الموقع، فهي درجات من الثقة تبدأ بالثقة المبدئية وتنتهي في أحيان كثيرة بالثقة المطلقة (2).

ب – تعدد وسائط استيعاب المحتوى أونلاين: فبث المحتوى على الإنترنت له اتجاهين يمكن توضيحهما فيما يلي:

1 – البث لأجل النشر: فالمدونات، وغالبية مواقع بث الوسائط المتعددة كالصور Flickr والفيديو You Tube والملفات الفلاشية Meta Café والصوتية ، والموسوعات المجانية، هذه النوعية من المواقع تستقبل المحتوى لأجل نشره بحيث يتسنى لكل مهتم البحث عنه والاطلاع عليه (3). وقد أدت هذه المواقع خدمات حقوقية جليلة (4).

2 – البث لأجل التداول: البث لأجل التداول يختلف عن البث لأجل النشر من حيث أن الأول ليس دوره كشف المعلومات على العامة؛ مما يؤدي لتسارع جهود إحباط النشر في حالة إصرار جهة ما على كتمان هذه المعلومة. فدور البث لأجل التداول يجعل المعلومة متاحة لمن يختارهم القائم بنشر المعلومة فقط. ففي مواقع التخزين أونلاين Web Drives مثل Mega Upload أو Rapid Share؛ نجد أن الهدف هو تحميل المعلومة أونلاين وانتقاء جهات موثوقة محددة للحصول عليها ونشرها على الملأ بحيث يتعذر بعد ذلك إخفاؤها (5).

ج – القدرة التخزينية العالية: من أهم خواص الإنترنت التي تميزه عن غيره من الوسائط الإعلامية تلك القدرة الأرشيفية العالية التي تمكن مستخدم الإنترنت من الحصول على المحتوى الذي يريد من الإنترنت طالما أن هذا المحتوى لا يزال قيد البث، وطالما أنه أيضا لا يتسم بدرجة عالية من الخصوصية. وبالرغم من هذه الإتاحة العالية؛ إلا أن تضخم إنتاج المحتوى على الإنترنت سيؤدي لتقليص هذه القدرة (6)، وهو ما قد يعيد – في المدى المتوسط – ربط عملية الأرشفة بقوة المال.

د – توصيل المعلومة عند أقدام المهتم: أحد خصائص مواقع الويب 2.0 هو إمكانية نشر الخدمة خارج نطاق الموقع الذي يبث المحتوى، وذلك عبر تقنيات مثلRSS وATOM وغيرها من التقنيات يمكن من خلالها إيصال محتوى الخدمة خارج نطاق الموقع. ويسمى هذا المصطلح بقابلية توصيل الخدمة Service Hackability، وهو ما يجعل المحتوى الهائل الذي يقدر اليوم بالإكزابايت (7) سهل المنال وفق الخصائص التي نختارها بإعدادات التطبيقات الخاصة بتوصيل الخدمة (8).

هـ - صاحب المحتوى المجهول: لا يزال بإمكان مستخدم الإنترنت أن يخفي هويته. وعندما يتعلق الأمر بمواجهة قوى نافذة تحاول التحفظ على الإتاحة المعلوماتية تصبح هذه الخاصية مهمة. وبرغم أن النضال موقف ينبغي على صاحبه إثباته؛ إلا أن ظروفا قد تخلق دوافع مختلفة لدى باث المحتوى بإخفاء هويته، وهو الأمر الذي أصبح صعبا إلى حد كبير، لكنه ليس مستحيلا. فإتاحة التقنية وإتاحة الاتصال بالشبكة جعلت ثمة هامشا لتجاوز صرامة القواعد المتعلقة بالتعرف على المستخدم وهويته. والأدبيات في هذا الإطار كثيرة. لكن يجدر الانتباه إلى أن تجهيل المحتوى غير الموثق يجعل هذا المحتوى فاقد للصدقية؛ ما لم تتوفر سبل أخرى لتعزيز صدقيته. وهذا التحفظ واجب لمواجهة المعلومات غير الحقيقية التي تضر أكثر مما تنفع.

و – إمكانات الصدقية: الحديث عن إمكانات الصدقية يمكن تناوله على محورين يمكن توضيحهما فيما يلي:

1 – إمكانات الصدقية المتعلقة بطبيعة الوسيط: فكل وسيط من وسائط النشر: نص – صوت – صورة – فيديو؛ كل نوع يرتبط بدرجة صدقية خاصة به. وترتفع درجة صدقية محتوى الفيديو بصورة قوية بينما يحتل النص أقل درجة صدقية بين كل هذه الوسائط.

2 – إمكانات الإتاحة الخاصة بالمحتوى نفسه: فالوثائق التي تصدرها مؤسسة معلوماتية معينة يمكن أن تكون لها بصمة خاصة بها متمثلة في توقيع شخص نافذ أو وجود لوجو صعب التقليد أو غيره من صور التوثيق. وتؤدي المطابقة بين البصمة والأصل إلى تعزيز صدقية البيان المنشور. كما أن العلاقة مع المحتوى المنشور من حيث استجابات أطراف أزمة الإتاحة مما يعزز صدقية هذه النوعية من المعلومات.

3 – إمكانات الصدقية المرتبطة بمعرفة القائم بالاتصال والبث: فمعرفة بعض الأطراف التي تداولت المحتوى المنشور أو المتداول بالقائم بالبث والاتصال يكون من أهم أنماط تعزيز صدقية المعلومات. ويبقى دور الإنترنت الجديدة وتطبيقاتها في تعزيز الثقة في وثاقة علاقة المصدر بوسيلة توصيل المعلومة.

ز – التشبيك ودلالته في الإتاحة: لم يعد التشبيك قيمة هامشية في تطبيقات الإنترنت الجديدة، بل صار مركزا، خاصة مع اعتماد ويب 2.0 على قواعد البيانات المختلفة الخصائص، مما جعل التواصل عملية ميسرة من أبعاد مختلفة، وصار كل بيان أو معلومة محلا محتملا لإنتاج دائرة تشبيك تخصه. فنوعية المعلومات صارت محلا محتملا للتشبيك ولإنتاج دوائر تشبيك جديدة مثل المهتمين بمتابعة الحالات الحقوقية المختلفة (9)، والهوايات والاهتمامات ودوائر الهوية وحتى البيانات الشخصية كيوم الميلاد وغيره؛ هذا فضلا عن قيمة التشبيك والتواصل كقيمة في ذاتها (10). وعلى هذا فإن إتاحة المعلومة مرتبط في نفس الوقت بوصولها لجمهورها. وهذا ما يجعل محاصرة تسرب المعلومة ونشرها عملية صعبة إن لم تكن مستحيلة.

وختما لهذا الجزء يجدر بي أن أشير إلى أن كل الخصائص التي تحدثت عنها ربما لا تخص ويب 2.0 وحدها، بل تخص الإنترنت القديمة WWW أيضا، لكني قدمت هذا العرض المتداخل استنادا إلى أن القضية المركزية في هذا البحث ليست الإنترنت ولكن الخصائص الداعمة للإتاحة المعلوماتية فيها. وعلى هذا أضيف أيضا أن هذه ليست كلها خصائص الإنترنت، بل ما يعنينا منها فيما يتعلق بالإتاحة المعلوماتية (11).


القسم الثاني: الاقترابات المختلفة من المبدأ وتداعياتها

تتعدد الاقترابات التي يتم بها الاقتراب من قضية الإتاحة المعلوماتية. ولدينا أربع اقترابات أساسية هي: اقتراب الملكية الفكرية، واقتراب حرية التعبير، واقتراب مكافحة الفساد، واقتراب احتياج بعض المعلومات للسرية. وفيما يلي نعرض لتأثير هذه الاقترابات على قضية الإتاحة المعلوماتية.

أ – اقتراب الملكية الفكرية: كل طرف منتج للمعلومة ينتج المعلومة إما للمجال العام أو الخاص. ولابد من تقدير أهمية الخصوصية واعتبارها حقا يجب احترامه. أما إنتاج للمجال العام فأمره يختلف.

وينقسم الإنتاج المعلوماتي للمجال العام لقسمين من المعلومات، أولهما تلك المعلومات التي تتعلق بعموم الناس، وثانيهما تلك المعلومات التي تتعلق بأعمال الفكر الإبداعية أي الاختراعات والمصنفات الأدبية والفنية والرموز والأسماء والصور والنماذج والرسوم الصناعية. وتلك المعلومات الأخيرة يطلق عليها الخبراء موضوعات الملكية الفكرية. وتنقسم الملكية الفكرية إلى فئتين هما الملكية الصناعية التي تشمل الاختراعات (البراءات) والعلامات التجارية والرسوم والنماذج الصناعية وبيانات المصدر الجغرافية من جهة وحق المؤلف الذي يضم المصنفات الأدبية والفنية كالروايات والقصائد والمسرحيات والأفلام والألحان الموسيقية والرسوم واللوحات والصور الشمسية والتماثيل والتصميمات الهندسية من جهة أخرى . وتتضمن الحقوق المجاورة لحق المؤلف حقوق فناني الأداء المتعلقة بأدائهم وحقوق منتجي التسجيلات الصوتية المرتبطة بتسجيلاتهم وحقوق هيئات الإذاعة المتصلة ببرامج الراديو والتلفزيون (12). وهذه المجالات هي موضوع مجال الملكية الفكرية Intellectual Property.

ولا يعد قيد الملكية الفكرية – من وجهة نظر الباحث – قيدا على الإتاحة المعلوماتية؛ حيث إن طبيعة المعلومات موضوع كل منهما يختلف اختلافا كبيرا. وبرغم النية الحسنة التي تقف وراء اتفاقية الملكية الفكرية، وتتلخص في الحفاظ على حقوق المبدع وتأمين مناخ محفز على الابتكار، إلا أنها تؤدي أيضاً إلى نتائج من الصعب قبولها. فمثلاً حرمت شروط الملكية الفكرية المفروضة على أدوية الإيدز الدول الفقيرة من إعادة إنتاجها بأثمان مناسبة، مما أدى إلى زيادة أعداد المصابين بهذا المرض. كما قللت شروط الملكية الفكرية من فرص حصول الفقراء على المعرفة العلمية، لعدم استطاعتهم دفع ثمن الإطلاع عليها. والنتيجة الأكثر سلبية هي ربط المعرفة بالاستهلاك، وإضعاف مفهوم الإنتاج المشترك (13).

إلا أن هذا لا يمنعنا من احترام حق الشركات في الاستفادة من تخصيصها أموالا طائلة لصالح مساحة البحث العلمي. فتجاوز احترام هذه الملكية يؤدي لتراجع مساحة البحث العلمي في هذه المساحات. ويضاف إلى هذا أن ثمة سبل أخرى يمكن في إطارها تجاوز التحفظ على هذين النوعين من براءات الاختراع، ما يتمثل في إمكان قيام دول أو منظمات دولية غير هادفة للربح بشراء براءات الاختراع، أو المبادرات الفردية التي نشجع المنظمات والأفراد أصحاب براءات الاختراع على اتخاذها لمواجهة الحالات الإنسانية.

ب – اقتراب حرية التعبير: الاقتراب الثاني من قضية الإتاحة المعلوماتية يتمثل في اقتراب حرية التعبير الذي تعاملت به القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تناولها لقضية الإتاحة المعلوماتية، حيث تناولت القضية من خلاله في إطار حديث إعلان مبادئها عن حرية التعبير، حيث خلص المجتمعون بالقمة إلى ما نصه: ".نحن نؤكد على أن كل فرد يتمتع بحق الحرية في الرأي والتعبير، كمبدأ جوهري من مبادئ مجتمع المعلومات، وبالاستناد إلى نص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويتضمن هذا الحق حرية إبداء الرأي من دون أية تدخلات، وحرية البحث عن المعلومات والأفكار وتلقيها والإفصاح عنها عبر أية وسيلة إعلامية، وبدون اعتبار للحدود"(14). ولعل الصورة تتضح أكثر عندما نسرد بقية الفقرة التي عنيت بهذه المساحة، حيث يكمل الإعلان قوله: " إن الاتصال مبدأ أساسي في العملية الاجتماعية، إنه أمر مركزي بالنسبة لمجتمع المعلومات. وكل فرد، في كل مكان، يجب أن تتاح له الفرصة ليشارك، ولا ينبغي استبعاد أي فرد من التمتع بعوائد وعطايا مجتمع المعلومات" (15).

وإن كان ثمة أمر واضح في هذا الإعلان فإنه يتمثل في حديثه عن حرية التعبير التي تختلف في جوهرها عن الإتاحة المعلوماتية التي نحن بصددها، وإن كان تحليل النص يفضي لإمكان استيعابه قضية الإتاحة المعلوماتية، وإن لم ينص عليها بصورة قاطعة. وواضح أنه ليس بيد قمة مجتمع المعلومات أن تخاطب جهة إصدار المعلومات التي تتعلق بالمجال العام؛ إن دولية أو قطرية. وواضح أن الاهتمام الحقوقي يتجه نحو قضية الإتاحة بقدر ما توجهه النشط نحو قضية حرية التعبير.

ج – اقتراب مكافحة الفساد: وثمة اقتراب آخر من ظاهرة الإتاحة المعلوماتية؛ ألا وهو اقتراب مكافحة الفساد. والتعبير العالمي عن هذا الاقتراب يتمثل في منظمة الشفافية العالمية Transparency International التي ترى أن مهمتها تتمثل في توحيد العالمين معا في تحالف قوي لإنهاء ظواهر الفساد وتأثيره المدمر على البشرية (16).

ولابد من الإشارة إلى أن اقتراب حرية التعبير واقتراب مكافحة الفساد اقترابين محدودين جدا فيما يتعلق بالإتاحة المعلوماتية التي ينبغي أن تكون الأساس في وجود المعلومة والتعامل معها. فالاعتبارات السياسية وحدها تحفل بسجل هائل من الاعتبارات التي يمكن للإتاحة المعلوماتية أن تلعب فيها دورا كبيرا لصالح الإنسان وحقوقه، وهي لا تتصل مباشرة بمنهجي الحرية في التعبير ومكافحة الفساد.

د – اقتراب التصنيف الأمني للمعلومات: تعرف الإدارة الحكومية مفهوم المعلومات السرية. وهذه المعلومات جرى العرف على أنها تصنف سرية Classified Information عندما يهدد تداولها أو الاطلاع عليها الأمن القومي للدولة. ويحدد القانون الداخلي للدول مراتب سرية المعلومات وفقا لخطورتها؛ كما يحدد تحديدا بالصفة أولئك الأشخاص الذين يحق لهم الاطلاع على كل رتبة من رتب هذه المعلومات، والإجراءات القانونية المرتبطة بالاطلاع عليها (17). وهذه الإجراءات ربما تمتد لبعض المنظمات الاقتصادية (الشركات الكبرى)، أو لبعض المنظمات الدولية ذات الطبيعة الأمنية أو السياسية، وذلك وفق النظم الأساسية واللوائح الخاصة بهذه الشركات والمنظمات.

وفيما يتعلق بهذا الاقتراب نجد أن الوضع القانوني لمبدأ الإتاحة المعلوماتية المرتبط به ما يتمثل في قوانين حرية المعلومات، منتشر فيما يربو على 60 دولة تبدأ بالسويد (الأقدم في هذا الصدد) والولايات المتحدة، وتمتد حتى تشمل دولا مثل ألبانيا وزيمبابوي وأوغندة، مع تفاوت في الفاعلية بين هذه الدول؛ حيث تحالفات السياسة مع رأس المال تكون فاعلة في الضغط لإخفاء المعلومات عن المجال العام. وتُسمى هذه القوانين عادة بقوانين حرية المعلومات، وتهدف هذه القوانين إلى إتاحة المعلومات التي تحوزها الأجهزة الحكومية للعامة، كما تحدد الضوابط للوصول لهذه المعلومات. ويُعرف هذا القانون في الولايات المتحدة بقانون الشمس الساطعة Sunshine law أو السجلات المفتوحة Open Records (18).

ونتيجة للتعسف الذي يتذرع به الإدارات السياسية مستخدمة هذا الاقتراب: اقتراب السرية؛ فإن ثمة مبدأ أساسي في هذه النوعية من التشريعات يتمثل في أن عبء الإثبات في الادعاءات المعلوماتية يقع على عاتق الجهة التي من المفترض أن تحوز المعلومات وليس على طالب المعلومة. فطالب الإفصاح عن المعلومة ليس ملزما - عادة - بإعطاء تفسير لطلبهم إتاحة معلومات معينة. ولكن إن كانت المعلومات تصنف سرية وفق معايير معتبرة؛ فإن الجهة التي تطلب الإفصاح عن المعلومات عليها أن تقدم سببا وجيها للمطالبة (19). وتبقى القضية في دول الجنوب رهن الإرادة السياسية للإدارات الحاكمة، بما تتسم به هذه الإرادة من درجة إطلاق تعصف في بعض الأحيان بالحالة الحقوقية.


القسم الثالث: النضال العالمي لأجل الشفافية.. اتساع نطاق الممكن

في إطار الرؤية الكلاسيكية للإتاحة المعلوماتية، نجد أن الفاعل المركزي في النضال من أجل الإتاحة المعلوماتية هو الطرف الذي يحوز أهلية/شرعية اجتماعية أو ثقافية أو قانونية لتمثيل الجمهور (العلماء – المنظمات الحقوقية - الطرف المتضرر) في شتى الدول: شمالية أو جنوبية هو الذي يبادر بطلب الإتاحة المعلوماتية من الإدارة الحاكمة أو الشركة الاقتصادية أو المنظمة الدولية. وكانت نماذج Models النضال لأجل الإتاحة المعلوماتية تتمثل فيما يلي:

أ - أن تتقدم الجهات المدنية بطلب للحكومات أو لشركات أو للمنظمات الدولية الحائزة للمعلومات بطلب إتاحة المعلومات ذات الصلة.

ب – أن تستثمر بعض الجهات المدنية صلاتها الدولية للضغط من اجل إتاحة هذه المعلومات.

أما فيما يتعلق بالإنترنت الجديدة وتأثيراتها، فنجد أنها أضافت أمرا جوهريا لأدبيات النضال من اجل الإتاحة المعلوماتية. فلم يعد الفاعل المركزي في النضال من أجل الإتاحة المعلوماتية في مواجهة الشركات والإدارات الحاكمة والمنظمات الدولية ذلك الطرف الذي يحوز أهلية/شرعية اجتماعية أو ثقافية أو قانونية (العلماء – المنظمات الحقوقية - الطرف المتضرر) لتمثيل الجمهور وحسب، بل انضم إليهم في هذا الإطار أيضا فاعلون من داخل هذه الشركات والإدارات والمنظمات. أي أن الإتاحة صارت من الداخل أيضا وليس من الخارج فقط. وبعد أن كان نشر اللاعب الجديد للمعلومات التي حصل عليها بسبب طبيعة عمله قد يعرضه للتعقب بسبب طباعة المستندات أو تصويرها أو تسليمها لغير النزيهين من الإعلاميين. وتضافرت في هذا الإطار كل صور الإنفوميديا لدعم هذا النوع من أنواع الإتاحة من الداخل. وهذه القضية صارت بسبيلها إلى أن تصبح ثقافة عامة على الإنترنت. فقد رصدت وكالة رويترز وجود موقع يسمى "ويكيليكس" يشجع الموظفين الحكوميين على تسريب الأدلة عن الفساد والظلم في البلدان المختلفة. ومن المفترض أن يكون الموقع تقليدا لموقع ويكيبيديا دائرة المعارف على الإنترنت التي تعتمد على مساهمات مستخدمين لتشجيع مسربي الأسرار على التقدم بمعلومات. ويعتمد الموقع بصورة كاملة على المساهمات الطوعية لمحتواه، وسيجري إطلاقه رسميا خلال أشهر معدودة، وبدلا من تشجيع الجماهير العادية على إدخال المعلومات فإنه يطلب من المسؤولين نشر الوثائق الحكومية (20).

وتجدر الإشارة إلى أن دخول هذا اللاعب الجديد ارتبط بعاملين مهمين:

أ - غلب على هؤلاء الفاعلين أن ينشطوا في القضايا التي تمثل انتهاكا صارخا للقيم الأخلاقية. ومن أبرز أمارات هذا التوجه قيام مترجم بالجيش الأمريكي بتسريب ترجمة لكتيب التعليمات الخاص بمعتقلي جوانتانامو ونشره عبر الإنترنت، وهي التهمة التي حوكم عسكريا بسببها (21). ففي إطار رفض احتكار الأثرياء للتعامل في البورصة السعودية، ورغبة من بعض فاعلي الخير في إتاحة معلومات سوق المال للجميع، وجدنا هيئة سوق المال السعودية تعرب عن قلقها من تسريب معلومات في سوق الأسهم لتحقيق أرباح استثنائية وغير مشروعة عبر المنتديات السعودية (22).

ب – غلب على المجتمعات التي شهدت تكرار هذه الظواهر أن توفر توافق مجتمعي على رفض المسالك التي حدثت في إطارها الإتاحة المعلوماتية عبر التسريب. ومن بين القضايا تسريب معلومات عبر الإنترنت حول برمجيات تضيفها الإدارة السورية لمراقبة الإنترنت وتخريب إتاحتها (23). كما أعلنت مايكروسوفت كورب أن أجزاء من شفرة نظام التشغيل ويندوز الذي تحرص على حمايته تم تسريبه عبر الانترنت مما قد يعرض برامجها للاختراق أو للنسخ بصورة غير مشروعة (24).

غير أن هذين القيدين لم يمنعوا من وجود اختراقات غير أخلاقية لهذا التسريب، بعضها ارتبط بتجاوز القيد الأخلاقي الداعم للخصوصية، وبعضها ارتبط بتجاوز القيد الأخلاقي الداعم لحقوق الملكية الفكرية (تسريب ألبومات الغناء لبعض المطربين في مناطق متفرقة من العالم للإنترنت)، وبعضها ارتبط بالفساد (تسرب امتحانات الباكالوريا المغربية عبر الانترنت قبل 24 ساعة من انطلاقتها (25)، كما نشرت صحيفة الوطن السعودية أنباء عن إغلاق 11 موقعا سعوديا سربوا امتحانات مواد الصف الثالث الثانوي).


خاتمة:

كما سبق وقلنا، فإن ثمة طفرة في الإتاحة، وطفرة في نماذج الطابع النضالي المرتبط بها. غير أن الوعي بإمكانات الإنترنت فيما يتعلق بالإتاحة المعلوماتية لم يرافقه وعي بالضوابط الأخلاقية والقانونية المرتبطة بالتعاطي مع مساحات الإتاحة هذه. وبرغم أن كل مساحة إتاحة معلوماتية تعد مكسبا للحركة المدنية، إلا أن هذه الحركة عليها أن تقيم نوعا من الوعي يجعل كل أشكال النضال من أجل الإتاحة المعلوماتية متوافقا مع الإطار الأخلاقي العام الذي تتحرك فيه.

وقبل أن نختم هذه الورقة لابد من أن نشير إلى أن تركيزنا في هذه الورقة على الطابع النضالي في الحركة لأجل الإتاحة المعلوماتية إنما هو من باب التركيز في الخطاب، ولا ينفي هذا سائر الأدوار المرتبطة بالإنترنت عموما وسائر وسائل الإعلام بصورة أعم مثل التوعية المعلوماتية وتكوين وبناء الآراء والاتجاهات والتعبئة خلف القضية أو خلف الفعالية، بالإضافة لأدوار جديدة ارتبطت كثافتها وقوتها المتنامية بالإنترنت الجديدة مثل التشبيك والمشاركة الإيجابية بالرأي والمعلومات في إطار الحالة ما بعد التفاعلية التي جعلت الجمهور منتج للمحتوى الإعلامي بقدر ما هو مستهلك له.

========================

الإشارات المرجعية:

1 - Craig Newmark, Commentary: Internet can strengthen democracy, CNN.COM; technology, August 26, 2008.

2 - Selvakennedy Selvaduray & Omer Mahmood, Modeling "Web of Trust" with web 2.0, Proceedings of World Academey of Science, Engeneering & Technology, Volume 18,December 2006, ISSN 1307-6884.

3 - وسام فؤاد، الإنترنت الجديدة وأثرها على الإعلام الإليكتروني، بحث مقدم للمؤتمر العربي الأول للإعلام الإليكتروني، طرابلس، 2007.

4 - يمكن متابعة دور هذه المواقع في فضح التجاوزات المريعة التي باشرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الإنسان الفلسطيني في مجزرة غزة بدءا من 27-12-2008.

5 - University of Strathclyde web site, Information Technology Services, Services, Webdrive.

6 - John Grantz, The Diverse and Exploding Digital Universe, EMC, March 2008.

7 - الإكزابايت هو كم يقدر بألف جيجابايت.

8 - موسوعة ويكيبيديا مادة ويب 2.0، مع تصرف ببعض المراجع الأخرى المرفقة.

9 - يمكن في هذا الإطار متابعة الجهد الذي يبذله الحقوقي المصري جمال عيد عبر موقع فيس بوك للتعرف على أحد أنماط استخدام التشبيك للدفاع عن الحالة الحقوقية، ويمكن أيضا الإحالة لدراسة حالة إضراب السادس من أبريل والرابع من مايو 2008 كمثال لربط المعلوماتية بالحركة الميدانية.

10 - وسام فؤاد، خصائص الجيل الرابع لما بعد التفاعلية، إسلام أونلاين.نت، علوم وصحة، 10-06-208.

11 - لمزيد اطلاع على خصائص ويب 2.0 وإمكاناتها الإعلامية يمكن مراجعة ورقة الإنترنت الجديدة وتأثيرها على الإعلام الإليكتروني، مرجع سابق.

12 - هذا هو تعريف المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO لموضوع الملكية الفكرية على موقعها.

13 - سمر كرم، الملكية الفكرية مقابل "الحرية الفكرية، النسخة العربية لموقع أكاديمية دويتشه فيله، صفحة ثقافة ومجتمع، د.ت.

14 - Wikipedia, the article of: Freedom of information.

15 - المرجع السابق.

16 - منظمة الشفافية العالمية، صفحة التعريف بالمنظمة.

17 - Wikipedia, The article of: Classified information.

18 - Wikipedia, the article of: Freedom of information Legislation.

19 - المرجع السابق.

20 - صحيفة الاقتصادية، موقع إلكتروني لتشجيع تسريب أسرار الشركات حول العالم، صفحة التكنولوجية، 09-02-2007.

21 - الجزيرة نت، اتهام مترجم في قاعدة غوانتانامو بتسريب وثائق سرية، 13-11-2003.

22 - موقع الأسواق العربية، قلق من تسريب معلومات في سوق الأسهم لتحقيق أرباح استثنائية وغير مشروعة، 01-11-2006.

23 - محمود عنبر، كيف ننقذ مستقبل سوريا الرقمي؟، شبكة فولتير الثقافية، 10-04-2007.

24 - موقع أخبار الشرق الأوسط المالية والاقتصادية، تسريب أجزاء من شفرة "ويندوز"، 15-02-2004.

25 - صحيفة طنجة المغربية، تسريب امتحانات البكالوريا عبر الإنترنت قبل 24 ساعة من الامتحانات، 05-06-2008.


· تعريف بالباحث: خبير معلوماتي مصري، ومشرف وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين.

السبت، 28 يونيو 2008

سمات الجيل الرابع للإنترنت ما بعد التفاعلية.. دراسة تطبيقة لحالة موقع فيس بوك


تتطور الإنترنت كوسيلة اتصال وتواصل كل يوم لتمنح المستخدم مزايا وقدرات جديدة، بل وتلبي احتياجات حالته النفسية التي تصل عبر المواقع التقليدية إلى حد الملل في كثير من الأحيان، بالإضافة لعدد وافر من الخصائص التي تتجاوب مع عدد كبير من احتياجاته.

وليس المقصود حرفيا أننا بصدد جيل رابع من أجيال الإنترنت التي لا تزال تعايش جيلها الثاني Web 2.0 وحسب برغم أن الشائع أن ثمة جيل ثالث لها يتمثل في المصطلح Web 3.0، وهو ما نراه مجرد اتجاه من اتجاهات ويب 2.0 ليس إلا. لكن المصطلح يعني أننا بصدد جيل جديد من المرحلة ما بعد التفاعلية للإنترنت (موسوعة ويكيبيديا: مادة "ما بعد التفاعلية").

وما بعد التفاعلية تسمية لمرحلة جديدة دخلت إليها الإنترنت بدءا من عام 2004، وأمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت منصة أو Platform يضمن تدفق المحتوى الإعلامي في أكثر من اتجاه أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many بعد أن كان إنتاج محتوى الإنترنت وقف فقط على من يملكون المواقع، وهو ما يعرفه خبراء الإعلام باسم اتجاه One to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم لغات تطبيقات الويب أصبح كل مستخدم للإنترنت بإمكانه أن يكون كيانا إعلاميا (وسام فؤاد، ما بعد التفاعلية وتأثيراتها على الإعلام الإليكتروني، دراسة منشورة).

بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص وحتى البرمجيات على مواقع محدودة تخصهم (مدونات أو مساحات خاصة)، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص وحتى التداول العام المفتوح للجميع؛ فيما عرف باسم التشبيك Networking.

أولا: مراحل الويب 2.0

ذلك التعريف الذي أوضحناه سلفا مفتاح لفهم تطورات ويب 2.0 التي مرت بعدة مراحل حتى وصلت بنا لنموذج Face Book.

كانت المرحلة الأولى تتمثل في تلك الحالة التي عرفناها باسم التدوين الذي بدأت معه ويب 2.0 تأخذ شكل منصة يحتل فيها مستخدم الإنترنت موضع المركز والبؤرة، وتدور حوله كل الأنشطة بعد أن كانت الإنترنت تتمركز في مرحلتها الأولى حول أصحاب المواقع. وأصبحت كل المواقع ذات الترتيب المعتبر عالميا تهتم بمنح مساحات للمستخدم، تطورت في 2004 لتأخذ شكل المدونات التي كان يمكن لمستخدم الإنترنت فيها أن ينتج وينشر المحتوى الذي يراه، سواء أكان نصا أو صوتا أو صورة.

أعقب هذه المرحلة مرحلة ثانية تمثلت بأن اتجهت كل المواقع الكبيرة لتطوير المساحات الخاصة التي تمنحها للمستخدمين، وهكذا تطورت المساحات الخاصة المحدودة التي كان المستخدم يتعامل معها عبر مواقع مثل ياهو: My Yahoo كمثال؛ والتي كان الموقع يهيمن عليها دوما إلى أشكال جديدة من الخدمات تعتمد على تطبيقات فائقة الصغر لتجميع معلومات وخدمات من مواقع مختلفة، فيما عرف باسم ويب 3.0، بالإضافة لقدرة المستخدم على إضافة ما يريد من محتوى. وباتت هذه المواقع الكبرى تشتري المواقع الجاهزة التي توفر مساحات للزوار مثل My Space الذي اشترته مايكروسوفت، وFlickr الذي اشترته ياهو، وOrkut الذي اشترته جوجل، وغيرها. وكانت هذه المواقع تقدم عددا من الخدمات البارزة في مجال التشبيك والنشر لكنها كانت خدمات منفصلة برغم كونها مجمعة.

وفي مرحلة ثالثة، بدأت المدونات في الاستفادة من تطورات لغات تطبيقات الويب الجديدة فبدأت تتيح لمستخدميها إمكانات أكبر فيما يتعلق بإدماج ألبومات وأنظمة تصنيف وأرشفة، وبرمجيات صغيرة مثل الاستطلاع ومساحات النص الحر خارج نطاق التدوين، وإمكانات إعادة استضافة وإدراج الفيديو من المواقع المختلفة.. وكان موقع Blogger سباقا في هذا الصدد.

ثانيا: سمات الجيل الرابع:

وبعد هذه المقدمة، من المهم الإشارة إلى أن الإنترنت ما بعد التفاعلية قد انتقلت إلى مرحلة إنتاج مواقع مثل Face Book. والتي سنتعرف على خصائصها فيما يلي:

أ - التجدد المستديم

بداية، لابد من أن نشير إلى أن أهم سمة من سمات الجيل الرابع من المواقع ما بعد التفاعلية يتمثل في كونه شكل منصة Platform لإنتاج تطبيقات تفاعلية تشبيكية صغيرة الحجم، ولم يقف الموقع عند حدود توفير هذه التطبيقات؛ بل تتوفر أيضا إمكانية تزويد مستخدمي الموقع من مطوري البرامج بتطبيقات تفاعلية تشبيكية من بنات أفكارهم، مع سماح بنية الموقع باستقبال التطبيقات الجديدة بدون مشكلات تقنية. والتطور الأهم في هذه السمة الآن يتمثل في أن هذه المنصة تتيح الفرصة لعموم المستخدمين - غير المتخصصين في لغات الحاسب - بتكوين برامجهم التشبيكية الخاصة عبر إيجاد نمط أو أكثر من التطبيقات القابلة للتقييف Customization وتغيير المحتوى الخاص بها بحسب الفكرة الجديدة التي تلح على ذهن المستخدم.

وهناك عدد كبير من التطبيقات التي يمكن لمستخدمي الموقع تطويرها وإضافتها، وتتركز هذه التطبيقات في مجال التطبيقات التي تستوعب الصور بصفة خاصة، وهي تطبيقات يمكن للمستخدمين استيعابها لإنتاج تطبيقات جديدة محدودة في مجال تقديم أشكال تعبيرية جديدة، أو تطبيقات للهدايا أو للحيوانات أو للطيور أو للورود أو لأغلفة الكتب أو للأطعمة. وهذه البرمجيات تعكس ثقافات صانعها. فمع هجمة الأسيويين المسلمين على موقع مثل Face Book وجدنا أن البرمجيات المتعلقة بالثقافة الأسيوية زادت بدرجة كبيرة (وصفات الطعام الأسيوية - المعالم الحضارية - المنتجات الثقافية عموما). أما النوع الثاني الشائع فيتمثل في تطبيقات API التي تتيح تجميع الأخبار والعروض الكتب من مواقع يتم تحديدها سلفا عن طريق مطور التطبيق.

ب - التشبيك جنبا إلى جنب مع الخدمة

أهم خواص المرحلة الرابعة من المواقع ما بعد التفاعلية أنها تتسم بسمة غير متوفرة في سابقاتها من الأجيال؛ ألا وهي بناء المجتمع أونلاين Community مع تزويد الخدمة التفاعلية جنبا إلى جنب. وليس المقصود ببناء المجتمع هنا أن الجيل الرابع يعمل كما الجيل الثاني عن طريق توفير مساحة أو بند للمجموعات البريدية على نحو ما هو حاصل في، فالمجموعات البريدية صارت تاريخا نحكيه، ولا يمكن اعتبارها أداة فعالة اليوم.

إن الفكرة التفاعلية اليوم صارت ترقى بالإنترنت على مستوى Cyber نفسه وليس المستوى Virtual إلى أن يكون بيئة تواصلية وملتقى في ذاته، وليس مجرد موقع به عدة أنشطة ما بعد تفاعلية. هذه الخاصية تجعلنا لا نتعامل مع الجانب التشبيكي والتجمعي باعتباره أحد خدمات الموقع، بل باعتباره خدمة بينية بين كل الخدمات الأخرى أو روح تسري في المواقع. فالأصل في هذه المساحة التشبيكية أنها الهدف من وراء بناء كافة التطبيقات، وعليه فإن توصيفها بأنها بينية أو روح تسري في كل الخدمات التي يوفرها الموقع لابد وأن يكون السمة الأبرز والأوضح. ففي هذه المساحة؛ يمكن للمستخدم ومن يشاركونه التجمع Community أن يتصفحوا كل المواد التي بين أيديهم، وتتاح لهم تحتها ومعها مساحات للنقاش، وأدوات تعبيرية مختلفة.

ج - للمشاعر والوجدان مساحة لابد منها

جزء مهم من ثقافة الجيل الرابع للمرحلة ما بعد التفاعلية أنها أولت للمشاعر والأحاسيس أهمية لا تقل أهمية عن تلك الأهمية المعتبرة للأفكار والآراء. لهذا؛ فإن مرحلة ما بعد التدوين نجد فيها تلك القدرات التعبيرية الوجدانية متوفرة وببرامج بسيطة ومحدودة الوزن، لكنها فعالة وتؤدي الغرض. ففي المدونات ولعل أبرزها قوة وقدرة مدونة بلوجر التي اشتراها موقع جوجل من قبل، نجد هذه المدونات المثالية خلو من المساحات التعبيرية الوجدانية، بينما مواقع مثل Face Book وHi5 تملك هذه الأدوات، ويميل الزوار لاستخدامها لأنها تكون أحيانا أبلغ وأشد فاعلية في التعبير عن المشاعر والوجدان من عشرات العبارات.

واستخدام هذه التطبيقات الرسومية التعبيرية Graphic يتم على مستويين تغلب إتاحتهما معا في أي موقع ما بعد تفاعلي يطمح للمنافسة. أول هذين المستويين أنها وسيلة للتعبير عن موقف من مادة منشورة في أوساط التجمع. فنجد أشكال التعبير الاعتراضية والرافضة والاستفهامية. غير أن المستوى الثاني لا يقل أهمية عن هذا المستوى، حيث تكون المشاعر هنا قيمة في ذاتها، كتعبير أحد أعضاء التجمع عن سعادته أو إحباطه أو أي من المشاعر التي لا علاقة لها بالتعبير عن رأيه في محتوى متاح للتجمع.

د - مواقع الاهتمام بالتعقيبات

تتحلى المرحلة الرابعة ما بعد التفاعلية بخاصية مهمة تتمثل في إيلاء العناية والاهتمام الكبيرين بعملية التعقيب على المحتوى. لقد بدأت هذه الخاصية حضورها انطلاقا من توجه الإنترنت بصورة أساسية لمتلقي المادة الاتصالية وليس منتجها؛ في محاولة لجعله الطرف الأكثر قدرة على الإفادة وإنتاج المحتوى البديل. فهذه العملية (التعقيب) ينظر إليها المطورون ما بعد التفاعليين باعتبارها عملية إضافة مبدعة للمحتوى المنشور وليست مجرد رد لا يؤبه له.

ولعلنا من خلال بعض الخواص السابقة لاحظنا كيفية الاهتمام ببعض التفاصيل التي تفيد المعقب بقدر ما تفيد المبادر بإرسال الرسالة الاتصالية. لكن هل لنا أن نتصور فعلا أن الاهتمام بالتعقيب جعله على قدم المساواة مع المبادرة بالإرسال. لقد أصبحت بعض المواقع تضيف للتعقيب إمكانات الفيديو والصوت والصورة والرسوم التعبيرية بالإضافة طبعا لإمكانيات التعقيب النصي، بحيث صار من المتعذر بغير المنطق التمييز بين المرسل والمعقب. فقد أصبحنا نعرف المرسل بأنه من قام بإرسال أول رسالة وليس من خلال محدودية صور التعقيب عليه.

هـ - التواصل والتكامل مع المواقع ما بعد التفاعلية البارزة

من اللافت للنظر أن المواقع ما بعد التفاعلية أصبحت تهتم كثيرا بالتكامل فيما بينها. وقد اتضح من المتابعة أن مواقع الجيل الرابع لا تكترث بأن توسع سيرفراتها لاستضافة ملفات فيديو، بل تنتج برنامجا صغيرا يجعل بإمكان المستخدم أن ينشر الفيديو الذي يهتم به على موقع You Tube من خلال وضع الكود الذي يزوده به هذا الموقع، أو حتى من خلال رابط الفيديو.

وخلال ملاحظة الباحث لهذه المواقع وجد أن المواقع التي انتشرت في المرحلة الثالثة (الجيل الثالث) بدأت تنتج بنفسها تطبيقات لأجل المواقع المنتمية للجيل الرابع، فوجدت تطبيقات للربط APIs على موقع Face Book تربطه بمواقع مثل Flickr أو del.icio.us. والمحصلة النهائية أن الإنترنت عبر هذا الجيل بدأت تستشعر أن الاقتراب الشديد من مستخدم الإنترنت والذهاب إليه صار هو الوسيلة الأكثر فاعلية في الاستحواذ على حصة من سوق الإنترنت.

و - التعارف.. الخاصية الأكثر أهمية

من أهم سمات الجيل الرابع ذو النزوع التشبيكي أنه يجعل من عملية التعارف معلما بارزا من معالمه. فلم تعد هذه الوظيفة من مختصات برامج الزواج وإيجاد الرفيق التي باتت تاريخا؛ وإن كانت – عمليا – لا يزال ثمة إقبال على ما تقدمه من خدمة.

والتطبيقات العاملة في هذه المساحة تضع إمكانيات متعددة لتوفير التعارف، وتعتمد مفاهيم حيوية في هذه المساحة، ولعل أهم هذه المفاهيم مفهوم Network الذي ينبه المنتمين إلى شبكة ربط معينة (بلد أو مدرسة وجامعة أو عمل) أن يلتقوا بعضهم البعض ويتعارفوا، ومنها مفهوم Match الذي يتيح للعزاب أن يتعارفوا، أو مفهوم Group وهو أقل هذه التطبيقات استخداما وشيوعا ويتيح الالتقاء على هدف ما للنشطاء، أو مفهوم Fan الذي يتيح تشكيل رابطة للإعجاب بشخص ما أو ظاهرة ما، أو مفهوم User الذي يتيح لمستخدم تطبيق معين أن يتعرف على أنشط مستخدمي هذا التطبيق، أو مفهوم Birthday لمواليد نفس اليوم.. إلخ.

والمراقب لهذه السمة التعارفية يجد أن مفاهيم التشبيك في إطارها قد اتسعت. فقديما كنا بالكاد نتعرف على مفهوم المجموعة البريدية Group باعتباره المفهوم الأكثر انتشارا، يليه مفهوم Match. أما اليوم فقد صار لكل تطبيق إنترنت شبكته الخاصة، وكل درجة انتماء يرتبط بها المستخدم لها شبكتها الخاصة، ولكل رمز بشري وغير بشري شبكته الخاصة. والأكثر من هذا أن دعوة الفرد لمجموعة من أصدقائه يجعلهم شركاء في دائرة تشبيك الصداقة بصورة تلقائية. ويمكن لأي مستخدم لهذه النوعية من مواقع الجيل الرابع أن ينشئ أية دائرة تشبيك يشاء.

ز – الخصوصية

من المفاهيم المهمة جدا في صدد إنشاء أي موقع تشبيكي هي الخصوصية. وهو مفهوم يعني حماية أية بيانات تخص مستخدم الموقع؛ سواء أكانت بياناته الشخصية أو أصدقاؤه أو أنشطته.

والشائع في مواقع الجيل الرابع تضمنها ثلاث مستويات للخصوصية؛ يمكن توضيحها فيما يلي:

1 – الخصوصية في مواجهة التطبيقات: حيث إن المعروف أن التطبيقات يمكنها الوصول للبيانات الشخصية للمستخدمين، ومن خلال هذا الوصول يمكن لأي أحد أو جهة التعرف على بيانات هذا الشخص. ومن هنا فإن أول معاني الخصوصية المتوفرة بمواقع الجيل الرابع أنها تمنح المستخدم حق الخصوصية في مواجهة التطبيقات، بحيث تتعرف التطبيقات على بياناته وأنشطته لكن لا تشاركها إلا بإذنه المباشر المتمثل في مربع الموافقة.

2 – الخصوصية في مواجهة الأعضاء. فقد يكون المستخدم عضوا في أكثر من دائرة تشبيك، وليكن العائلة من ناحية والأصدقاء من ناحية ثانية، وهو لا يريد لدائرة الأصدقاء الاطلاع على نشاطاته العائلية، ناهيكم عمن لا يدخلون ضمن دوائر تشبيكه. وبهذا يكون للمستخدم أكثر من دائرة تشبيك يتحرك فيها بحريته.

3 – الخصوصية في مواجهة الموقع ورغباته الاقتصادية (الإعلانات). حيث يمنح الموقع حصانة لبياناته من الاستخدام التجاري، وبخاصة الإعلاني، باستثناء تلك الإعلانات التي تتبع الآي بي الخاص بكل جهاز.

ح - إمكانيات ممارسة المستخدم نشاطا اقتصاديا

تتسم مواقع هذا الجيل بصفة عامة بممارسة أشكال مختلفة من النشاط الاقتصادي. وأحد أهم النماذج الاقتصادية التي يعتمدها هذا النمط من المواقع بخلاف الإعلانات ما يتمثل في الاعتماد على رغبات المستخدم في التوسع في استخدام تطبيقات بعينها، بل يمكن للمستخدمين الذين ينتجون التطبيقات التي يستخدمها زوار ومستخدمي الموقع للترفيه أو للتعلم أو للتواصل، يمكن للمطورين ما أن يجهزوا التطبيقات التي ينتجونها بنشاطات تسويقية، ويحصل الموقع على نسبة من عوائدهم.


قد تكون رحلتنا انتهت مع الجيل الرابع للمرحلة ما بعد التفاعلية، غير أن هذا الجيل ليس منتهى التطور في المرحلة ما بعد التفاعلية ونحن نكتب هذه السطور، إذ هناك بالفعل تطبيقات ثلاثية الأبعاد تمثل إرهاصة الجيل الخامس، الذي سيكون ضيف هذه الصفحة خلال فترة ليست بالطويلة.

الجمعة، 4 أبريل 2008

ما بعد التدوين.. دراسة استشرافية حول تأثير التطورات في البنية التحتية للإنترنت على الحالة الإعلامية أونلاين

لكي نفهم التطور الذي ستنتجه الإنترنت على الإعلام المنتمي في إطار استشرافي؛ لابد لنا من أن نتفهم اتجاه تطور الإنترنت نفسها، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهية هذا التأثير وكيفيته. ولعل مما يساعدنا على بناء عناصر هذه الدراسة الاستشرافية أن بين ظهرانينا اليوم بعض صنيعها الذي يمكن منه استمداد سيناريوهات العمل الإعلامي المستقبلي. وفي هذا الإطار نتناول أولا تطورات البنية التحتية، ثم ثانيا منظومة تداعياتها في مجال الإعلام الجديد، ونختم هذا الجزء الثاني بظاهرة ما بعد التدوين؛ وهو البعد الاستشرافي الذي تحاول هذه الورقة رسم ملامحه بصورة تقريبية.



أولا: تطور البنية التحتية للإنترنت:

تعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموا في تاريخ البشرية. ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عاما للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عاما للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام. أما شبكة الإنترنت فلم تحتج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وأقل من 10 أعوام للوصول إلى 500 مليون مستخدم(1). ويعرض للإنترنت في هذه الآونة جملة من التغيرات نحتاج معها للتعرف الموجز على مسيرتها ثم اتجاه تطورها والمفاهيم الجديدة التي تؤطر مستقبلها.

أ – إطلالة على تطور الإنترنت: في عام 1969، وبعد خروج النظم الشبكية من عالم البنتاجون الدفاعي العسكري، تم وضع أول أربعة نقاط اتصال لشبكة سُميت أربانيت في مواقع في عدة جامعات أمريكية منتقاة بعناية، حتى تم في عام 1972 إجراء أول عرض عام لشبكة أربانيت في مؤتمر في العاصمة الأمريكية واشنطن، وكان تحت عنوان "العالم يريد أن يتواصل"، مؤذنا برفع الستار عن هذه الوسيلة الجديدة من وسائل الاتصال والإعلام. وفي نفس العام تقدم راي توملنس باختراع البريد الإلكتروني لمكتب براءات الاختراع ليقوم بإرسال أول رسالة على أربانيت. وقبل أن ينقضي عام 1973 كانت كل من النرويج والمملكة المتحدة قد انضمتا إلى تلك الشبكة. وفي عام 1974، تم نشر تفاصيل بروتوكول التحكم بالنقل TCP؛ وهي إحدى التقنيات التي ستحدد مستقبل الإنترنيت فيما بعد. وهدأت الأمور قليلا حتى عام 1977؛ حيث أنتجت شركة "ديجيتال إكويبمنت" موقع "إنترنت" خاصا بها لتعد بذلك أول شركة كومبيوتر تقوم بتلك الخطوة. وفي الأول من يناير من عام 1983، أصبح بروتوكول TCP/IP بروتوكولا معياريا لشبكة أربانيت. وفي العام الذي تلا ذلك مباشرة (1984) أخذت مؤسسة العلوم العالمية الأمريكية NSF على عاتقها مسؤولية "أربانيت"، وفي هذا العام تم تقديم نظام إعطاء أسماء لأجهزة الكومبيوتر الموصلة بالشبكة، والمسمى DNS أو Domain Name System. وبعد عامين - في 1986 - أنشأت مؤسسة العلوم العالمية NSF شبكتها الأسرع NSFNET، وفي نفس العام ظهر بروتوكول نقل الأخبار الشبكية NNTP جاعلا أندية النقاش التفاعلي المباشر أمرا ممكنا، وفي هذا العام تم بناء أول جدار حماية لشبكة الإنترنيت من قبل شركة "ديجيتال إكويبمنت". وآذن عام 1990 بإغلاق شبكة أربانيت، وتولت شبكة إنترنيت الأكثر شعبية مهمة تحقيق التواصل بدلا منها. وفي عام 1991 قدمت جامعة مينيسوتا الأمريكية برنامج "جوفر GOPHER" الذي يضطلع بمهمة استرجاع المعلومات من الأجهزة الخادمة في الإنترنت (2). ثم قامت مؤسسة الأبحاث الفيزيائية العالمية CERN في 1992 في سويسرا بتقديم شيفرة النص المترابط Hyper Text، وهو نظام التشفير البرمجي الذي أدى إلى التطور العملي للشبكة العالمية WWW، والذي بدأت معه عملية بث المواقع تأخذ الشكل الأكثر عملية واقتصادية. ثم جاء عام 1993 الذي شهد إنتاج الإصدار الأول من "موزاييك Mosaic" مستعرض الشبكة العالمية، وقد تبعه الآخرون مثل Netscape وExplorer وذلك لتيسير الإبحار عبر الإنترنت. وفي عام 1995 رصد المراقبون تحول نمو الإنترنت إلى انفجار، حيث أصبح عدد الأجهزة الخادمة المتصلة بالإنترنت قرابة ستة ملايين جهاز خادم وخمسون ألف شبكة في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1996 بدأ العالم يتصل بشكل دائم بشبكة الإنترنت؛ وبدأت الخدمة تدخل الدول العربية (3).

هذه السطور التي تمثل بداية سلسلة تطور الإنترنت ليست سوى إحدى حلقات تطور الكيان المسمى World Wide Web: WWW، أو المعروف اختصارا باسم The Web أو الويب (4). ونحتاج إثر التعرف عليه أن نتعرف بصورة أكثر كثافة على تلك المصطلحات الجديدة التي تحكم الإطار المستقبلي للإنترنت؛ على الأقل في الأمد المنظور. ونتناول هذه المفاهيم التجديدية فيما يلي، بدءا من ما بعد التفاعلية وحتى Web 3.0.

ب - ما بعد التفاعلية: ما بعد التفاعلية Post Interactivity مفهوم اصطلاحي – صكه الباحث في دراسة سابقة، وهو مصطلح يصف مجمل تلك المراحل الجديدة التي ولجت إليها شبكة الإنترنت منذ عام 2006؛ اعتمادا على ما أضافته إليها تقنيات Web 2.0 وWeb 3.0، وإن كانت إرهاصاتها قد بدأت تتبلور مع بداية الألفية الثالثة. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" من خلال الدلالة المباشرة له نجده يعني تجاوز تلك المرحلة "التفاعلية" من مراحل الإنترنت، والتي ذكرت - كمصطلح - للمرة الأولى في عام 1954، في كتاب ولبر شرام: عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها، ثم في دراسة ماكميلان وداونز McMillan & Downes في 1999، والتي انتهت إلى أن الهدف من الاتصال هو التبادل والإعلام.. إلخ. ومصطلح "ما بعد التفاعلية" مصطلح صكه الباحث في مجال سوسيولوجيا الإنترنت وسام فؤاد؛ معبرا به عن اتجاه الإنترنت لمرحلة جديدة في علاقة مرتاديها وزوارها بمحتواها والمنشور على صفحاتها (5).

فحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان مرتادو الإنترنت ينقسمون حديا ما بين منتج لمحتوى الإنترنت وبين مستهلك لهذا المحتوى. وكانت العلاقة ما بين منتج المادة ومتصفحها أو مستهلكها تقوم على تواصل محدود من خلال مجموعة من الأدوات الاتصالية البدائية كبريد عموم المواقع أو ما يسمى: الويب ماستر، أو من خلال البريد الإليكتروني لصفحات المواقع إن وجد، أو من خلال البريد الإليكتروني لمنتج المادة إن أتيح، وكانت بعض المواقع تستبدل هذا كله من خلال توفير قاعدة بيانات لتجميع التغذية المعادة حول منتجاتها المبثوثة على الإنترنت. وهذه الأدوات لم تلبث أن فقدت فعاليتها بسبب سوء استخدامها وازدحامها بالرسائل غير المرغوب فيها. وبمعنى آخر؛ كان التدفق الإعلامي عبر الإنترنت يقوم على فلسفة التدفق في اتجاه أحادي One to Many: من المنتج إلى المتصفح في شكل اتصال إعلامي وتعليق محض، قد يتطور في بعض الأحيان لحوار عبر منتدى إليكتروني مدار يتحكم به مالكه. وكانت قلة نادرة من المواقع تمثل استثناء من هذه القاعدة.

وبدءا من أواخر عام 2005، دخلت الإنترنت مرحلة جديدة أمكن فيها لكل متصفحي الإنترنت أن يكونوا بمثابة مرسلي المادة الإعلامية ومستقبليها في آن، أي أن الإنترنت كوسيلة إعلامية صارت تعبير عن تدفق المحتوى الإعلامي في اتجاهين أو أنه أصبح تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many. فبفضل التطور التقني، وترجمته في وسائل مثل الخادمات/السيرفرات الضخمة، وقواعد البيانات المتطورة، وتقدم تطبيقات الويب، بفضل هذا كله أصبحنا نجد مواقع تتيح لزوار الإنترنت ومتصفحيها تكوين حسابات يمكنهم من خلالها تحميل ملفات الفيديو والصوت والصورة والنصوص على ما يشبه مواقع محدودة تخصهم، وأن يتحكموا فيمن بإمكانه مشاهدة هذا المحتوى بدءا من التعامل والتداول الخاص جدا لدرجة الفردية وحتى التداول العام المفتوح للجميع.

واللافت في هذا الصدد أن هذه الخدمات تقدم مجانا. كما أنها أصبحت خلو من الرقابة إلى حد بعيد. وبدلا من المنتديات الإليكترونية المدارة، والمجموعات البريدية محدودة الفاعلية، والمواقع المجانية المتخمة بالإعلانات التي تفرضها المواقع الموفرة للخدمة، بدلا من هذا كله وجدنا المدونات ومواقع الفيديو ومواقع ألبومات الصور ومجموعات التواصل الآني تغزو الإنترنت.

وبرغم انخفاض تكلفة إنشاء المواقع، ونظرا لبعض القيود التي ترد على عملية إنشاء المواقع، وجدنا متصفحي الإنترنت يؤثرون اللجوء لهذه الخدمات المجانية لتوفير الوعي بما يهتمون به من قضايا عبر ما يقدمونه من منتجات الوسائط المتعددة تدعم قضاياهم التي تتراوح ما بين الجدية الفائقة وحتى المشاركة بغرض الترفيه. واللافت أن متصفحي الإنترنت العرب بخاصة لجأوا إلى هذه الخدمات لتوفير درجة من الوعي بقضاياهم السياسية التي تلقى من وسائل الإعلام بما فيها مواقع الإنترنت درجات متفاوتة من التعتيم.

تلك الحالة التي تجاوزت التفاعلية لصالح المشاركة المباشرة من متصفحي الإنترنت في إنتاج وتقديم محتوى هذه الشبكة العنكبوتية هي ما سنعرفه اليوم وتاريخيا باسم "الإنترنت ما بعد التفاعلية". ويتأسس هذا المصطلح على مجموعة من التطورات في البنية التحتية التي سنتناولها فيما يلي. وتعزى حالة ما بعد التفاعلية للتطور الذي حدث في بنية الإنترنت التحتية والذي يمكن تصنيفه لمرحلتين غير متعاقبتين؛ اصطلح على تسميتهما بويب 2.0 وويب 3.0.

1 - الجيل الثاني للإنترنت Web 2.0: يشير مصطلح Web 2.0 لجيل ثان متصور من المجتمعات المبنية على أساس الويب وخدمات الاستضافة المرتبطة بها، بالإضافة إلى مواقع التشبيك الاجتماعي ومواقع الويكي (أسلوب ويكي لقواعد بيانات إدارة المحتوى) وقواعد بيانات الفهرسة الإليكترونية Folksonomies. وتستهدف فلسفة Web 2.0 تسهيل عملية التواصل والتعاون والتشارك في المعلومات بين جمهور الإنترنت. وقد أصبح المصطلح شائعا بعد ذلك المؤتمر الذي نظمه مركز أوريلي ميديا O Reilly Media حول Web 2.0 في عام 2004. وبرغم أن المصطلح قد يوحي بأننا بصدد إصدارة جديدة من World Wide Web، إلا أن المصطلح لا يشير بحال لأي تحديث لجوانب Web 1.0 التقنية، ولكن إلى تغييرات في الكيفية التي يقوم بها مطورو البرامج ومستخدمو الإنترنت في التعامل مع الإنترنت. فهذا الجوهر الجديد Web 2.0 بمثابة ثورة اقتصادية في مجال صناعة الحاسوب نتجت عن النظر إلى الإنترنت باعتبارها منطلق Platform - وليس باعتبارها ساحة نشر، ومحاولة فهم قواعد النجاح في هذا المنطلق الجديد (6).

ولذا لم يعد من الممكن الحديث عن تلازم الإنترنت والمتصفح، بل أصبح الاتجاه الجديد أن كل التطورات الحاسوبية تراعي أن يكون شطر منها تشاركي.

إن فلسفة Web 2.0 لا تقوم فقط على اعتبار أن الإنترنت هي منصة في الأساس وليس مستودع نشر، بل يجاور ذلك عدة مكونات أخرى لرؤية Web 2.0 أهمها أن البيانات هي التي تقود عملية التجديد وبناء قالب المنصة الجديدة؛ في الوقت الذي يملك فيها المستخدم البيانات ويتحكم بها، كما أن الابتكار والتجديد داخل كل حزمة نظم والمواقع العاملة بها ينجم عن نوع من التشارك المقصود بين مجموعة كبيرة من مطورين البرامج المنتشرين في أنحاء العالم مع اتسامهم بدرجة عالية من الاستقلالية في عملهم بدون تبعية مؤسسية. ويرتبط بهذا النموذج من نماذج العمل وجود مفهوم مبسط للمشروعات الاقتصادية Business Models التي تمول هذه الحركة؛ وتقوم تلك المشروعات على أساس الاستفادة من المحتوى أو من الخدمات التي تحملها المواقع. كما أن هذه المواقع تعتمد على مجموعة من البرامج تزود بها زوار الموقع باعتبارها دوما النسخة المبدئية والتي تظل مبدئية مهما تطورت؛ وهو ما يعني أن مستخدمي هذه المواقع لن يجدوا حاجة لشراء أي برنامج ولا تكبد عناء البحث عن مفاتيح مزورة له. كما أن البرامج التي تستخدم في هذا الصدد تجد ربحها من خلال اتساع نطاق العلم بها خارج الدائرة الفردية (المنظمات الاقتصادية والطوعية والحكومية) (7).

وفي هذا الإطار يمكن أن نشير إلى خصائص البث على الإنترنت في إطار Web 2.0 بدءا من تلك الروح الأساسية في حقبة Web 2.0 المتمثلة في التشبيك Networking الذي تعتبره غايتها الأساسية، حيث إن الأساس في هذه الحقبة ربط التطبيقات المختلفة بالشبكة والسماح للمستخدم باستعمالها لأغراض التواصل العميق وليس فقط الاتصال؛ وهي من أهم خواص هذه الحقبة. ومن ناحية ثانية، فإن المحتوى – أيا كان يعد ملك لمن بثه أونلاين، ويمكن له التعديل في خصائص عرضه كيفما شاء. ومن جهة ثالثة، ثمة خاصية الديمقراطية التي تتيح لمتلقي أي محتوى بالتعاطي معه إيجابيا وليس فقط تلقيه، عن طريق التعقيب عليه أو نقده من خلال استخدام نص أو بأي من الوسائط المتعددة، أو حتى برابط. ومن زاوية رابعة نجد أن ثمة ارتفاع في درجة اليسر والسهولة في التعامل مع واجهات البرامج التي تدير علاقة المستخدم بالإنترنت، تلك البرامج المعتمدة على تقنيات تبسيطية مثل Ajax وما شابهها (8). ويحاول البعض إضافة التطورات التقنية في مجال الجرافيك، وهذا محتمل كعنصر مكمل، لكنه ليس عنصرا حاسما في بناء فلسفة Web 2.0.

2 - الجيل الثالث للإنترنت Web 3.0: ظهر هذا المصطلح للمرة الأولى في عام 2006 في مقال منشور بأحد مدونات الخبراء الناشطين في مساحة الإنترنت: جيفري زيلدمان في معرض تقديم رؤية نقدية النقاشات المثارة حول Web 2.0 والتقنيات المرتبطة بها مثل تقنية أجاكس المشار إليها سلفا (9).

وفي المنتدى الرقمي بالعاصمة الكورية سيول، والذي عقد في مايو 2007، طلب الحضور من المدير التنفيذي المسؤول بشركة جوجل: إيريك شميدت أن يوضح الفوارق بين Web 2.0 وWeb 3.0، وكانت إجابته فيما يتعلق بالمسمى Web 3.0 أنها طريقة جديدة لبناء تطبيقات الحاسوب، وأنه يرى أن Web 3.0 إن هي إلا مجموعة من التطبيقات المجمعة في إطار واحد، حاملة مجموعة من الخصائص المتمثلة في الصغر النسبي لحجم هذه التطبيقات، والقادرة على أن تنتصب وتشتغل في أي بيئة إليكترونية: كالحاسوب أو الهاتف الجوال أو المساعدات الشخصية الرقمية PDA، وتكون في الوقت نفسه سريعة جدا وقابلة للتكييف وفق رغبة مشغلها، معتمدة في توزيعها وتسويقها كمنتج على زيادة الوعي بها والانتشار من خلال ترابط الشبكات المختلفة الموجودة على الإنترنت؛ مما ينفي الحاجة لتخزينها وشرائها، وهذا نموذج جديد لتداول برامج الحاسوب Different Application Model. وفوق هذا كله نجد هذه البرامج تستوعب طوفان البيانات الذي يجري صبه فيها (10).

وفي كتابات غيره من الخبراء، نجد أن كلمة Web 3.0 تمثل مصطلحا يطلق لتوصيف تطور مختلف حيال استخدام الويب والتفاعل في إطارها على أصعدة مختلفة، على رأسها عملية تحويل WWW إلى قاعدة بيانات هائلة، وتلك ليست سوى خطوة باتجاه تعظيم قدرة التطبيقات الحاسوبية المختلفة ومنتجات الذكاء الصناعي على الوصول للمحتوى بالغ الوفرة على الإنترنت، والذي تصل وفرته لدرجة السيولة التي تعوق سهولة الوصول لمحتوى ذي خصائص نوعية. هذا بالإضافة لما في ذلك من إمكانات تسويقية عالية (11). ويعتبر البعض منهم أن المواقع التي تعتمد تقنية الأبعاد الثلاثية مثل Second Life وVirtual Realm وDisney s Toontown وVirtual Ibiza وغيرها من المواقع تتبع هذه الحقبة من الويب.

ويرى طائفة مهمة من الخبراء أن Web 3.0 هي جيل جديد بمفهوم نوعية المحتوى وليس بمفهوم نوعية التقنية. وفي هذا الإطار يذهب أليكس إيسكولد إلى أن الشبكة العنكبوتية تضم اليوم قدرا من المعلومات والبيانات تجاوز في حجمه إمكانية القياس بالميجابايت أو الجيجابايت ليقدر بمقياس التيرابايت، وهو ما جعل المعلومات النفيسة تختبئ بتشفيرها ولغاتها المتباينة عن حواسيب مستخدمي الشبكة. ويرى أن Web 3.0 كاتجاه من اتجاهات الويب الذكية Semantic Web قادرة على تغيير هذه الحقيقة، حيث إن المواقع الكبرى لن تكون إلا تلك المواقع التي تقدم خدمات الويب، وستكون قادرة على استخلاص المعلومات الثمينة المختبئة داخل الشبكة العنكبوتية ونشرها على العالم. ويرى أليكس أن التحول في أداء المواقع وطبيعة محتواها سيكون في أحد اتجاهين. حيث يرى أن بعض المواقع سيسير في الاتجاه الذي يمثله مواقع مثل موقع أمازون Amazon أو موقع ديليشس Del.icio.us أو موقع فليكر Flickr حيث تمنح زوارها خدمات مختلفة وفق تقنية REST API (تقنية تستخدم لغة Xml للتعامل مع قواعد البيانات ونظام الشراء الإليكتروني). وبعض المواقع الأخرى سوف تحاول الحفاظ على ملكية معلوماتها؛ لكنها ستجعلها قابلة للتعامل معها عن طريق تقنية Mashups (وهي تقنية تقوم على لغة تستمد المعلومات من أكثر من قاعدة بيانات لكنها تعمل على جمعها ضمن أداة عرض واحدة)؛ ومثالها مواقع مثل موقع دابر Dapper التسوقي، أو موقع تاكيلو Taqelo الذي يمكن اعتباره منظم عمل متطور قائم على التشبيك الموجه، أو بعض الصفحات الفرعية الخاصة داخل موقع ياهو ومنها ياهو بايبز Yahoo Pipes وهو موقع لتجميع الإفادات من الإنترنت بواسطة إعدادات يقوم بها المشترك في موقع ياهو. هذان الطريقان سوف يجعلان من المعلومات المتناثرة على الإنترنت صورة أخرى من المعلومات المعروضة بصورة منهجية متماسكة؛ ممهدة الطريق نحو منظومة حوسبة أكثر ذكاء (12). وهذا ما نراه أكبر القيم المعبرة عن حقيقة Web 3.0.


ثانيا: ما بعد التدوين.. المفهوم والدلالات

مصطلح ما بعد التدوين هو مصطلح صكه الباحث للتعبير عن مرحلة جديدة على صعيدين اثنين، نجملهما تاليا:

أ – هي تعبير عن تطور نوعي حدث في المساحة التعبيرية التي صارت متاحة لكل مستخدمي الإنترنت بعد التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية للإنترنت.

ب – هي أيضا تعبير عن تطور جديد في مجال العمل الإعلامي في علاقته ببيئته الاجتماعية.

ولكي نتعرف على ملامح ما بعد التدوين لابد لنا من الوقوف على طبيعة البيئة الإعلامية التي أنتجتها تلك التطورات في مجال البنية التحتية للإنترنت، وذلك في السطور القادمة.

بداية لابد لنا من التمييز تحليليا ما بين ذلك الشق من الإنترنت المبني على أن الإنترنت وسطا أو بيئة؛ وذلك الشق الذي تكون فيه الإنترنت وسيطا إعلاميا. فقد حدث تطور في كل شق على حده، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت الحالة الإعلامية المتخصصة تخلط بين الشقين، فيما يمكن تسميته بتجديد أدوار الوسيط الإعلامي النهائي المسمى بالإنترنت في ثوبها الجديد. فمهما كنا نتحدث عن Web 2.0 أو Web 3.0 فإننا في النهاية نتحدث عن تلك الوسيلة الاتصالية والتواصلية التي تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة من مجرد وسيط نشر متجاوز للحدود وحتى كونه وسيلة تواصل فعالة إلى جانب كونه وسيلة اتصال. وهو ما يرشحها لتكون بيئة الاتصال والتواصل المثلى التي تسعى كل سبل الاتصال أو التواصل لمحاكاة بيئتها والتطور باتجاهها؛ لتصير الإنترنت في النهاية هدف التليفزيون والهاتف الجوال والمساعدات الشخصية بالإضافة للحواسيب بأشكالها المختلفة المحمولة والثابتة.

غير أننا عندما نتعامل مع هذه التغيرات المفاهيمية يصعب علينا أن نفصل في تأثيراتها بين ما تنتجه من تداعيات على صعيد الإنترنت كوسط والإنترنت كوسيط، ومع ذلك؛ فلابد من الوعي بالفارق بين المستويين لأنه سيكون جليا وواضحا في بعض المساحات التي سيشتبك فيها الشقان.

ولا شك في أن التداعيات الحادثة جللة، وأن الإحاطة بها في مقام كهذا المقام وورقة كهذه الورقة سيكون صعبا لا محالة. والعزاء أن تحاول الورقة تقديم ما يقع في منظور القائمين عليها موقع الأهمية الظرفية ذات الأولوية. وفيما يلي نعرض لتداعيات هذه التغيرات.

أ – تعدد اتجاهات الإعلام: سبق وأشرنا إلى أن ما بعد التفاعلية كخاصية لحقبة الإنترنت الجديدة قد نقلت زوار الإنترنت من حقبة استهلاك المحتوى الإعلامي إلى حالة إنتاج هذا المحتوى (13). ويشير تقرير نادي دبي للصحافة إلى أن من أم تلك التغيرات تحول نمط التدفق الإعلامي من نمط تدفق في اتجاه واحد One to Many إلى نمط تدفق متعدد الاتجاهات Many to Many، واعتبره نمطا جديدا يضاف إلى أنماط التوزيع التقليدية، وإلى نمط التوزيع حسب الطلب الذي جرى تقديمه مؤخرا. ويرى التقرير أن نمط التوزيع الجديد يسمح بتوزيع كل من المحتوى المهني (الذي تمثل قضية حقوق الملكية الفكرية قضية حيوية بالنسبة له) بالإضافة إلى ذلك المحتوى الصادر عن المستخدمين والذي يتراوح إنتاجه ما بين النص العفوي وتقنية الفيديو الصادرة عن كاميرا رقمية رخيصة الثمن(14).

وبمعنى آخر، فإن ملايين المدونات؛ بتلك اللغات المتباينة المتعددة، بما تحويه من محتوى نصي أو صوتي أو محتوى فيديو أضيفت لمساحة المحتوى الذي يتعرض له مستخدم الإنترنت يوميا، ولم يعد الأمر قاصرا على تلك المواقع الرسمية أو تلك المواقع التي تعبر عن مؤسسات إعلامية صار لها اتجاه محدد وموجه لا تحيد عنه.

ولابد من التأكيد على أن الاتجاه لتحويل الإنترنت لنمط قواعد بيانات يستند لسيرفرات ضخمة ورخيصة التكلفة، مع تطور الآليات الاقتصادية لاستثمار مثل هذا الوضع New Business Models قد جعل ثمة إمكانية لأي فرد أو جماعة بشرية أن يقوموا بنقل الأخبار والمعلومات التي يراد لها التعتيم، بل ويقدموها معززة بأدلة صوتية وفيديوية تكسبها المصداقية، وتصنع بمرور الأيام اسما تجاريا مشهورا Branding Name يكون له درجة عالية من المصداقية التي تزاحم مصداقية المؤسسات الإعلامية المهنية.

ولا شك في أن هذا يعني فيما يعني أيضا تحول المستقبل الإعلامي تاريخيا باتجاه الإنترنت باعتبارها الوسيلة التي تقدم منافذ إعلامية ذات قدرة على الاستمرار والصمود، مع رخص التكلفة من ناحية ثانية، وارتفاع الإمكانيات من ناحية ثالثة.

ب – بروز مفهوم المواطن الصحافي: وقد ارتبط بتلك المرحلة ما عرفه المراقبون والمتخصصون باسم صحافة المواطن؛ ويعرف أيضا باسم Public or Participatory Journalism هو دور يؤديه المواطن الذي يلعب دورا فعالا في عملية جمع وتصنيف وتحليل وصياغة المعلومات والأخبار. ووفقا لتقرير We Media نصف السنوي الذي يصدره مركز الإعلام Media Center التابع للمعهد الأمريكي للصحافة The American Press Institute، فالمفهوم يعني تلك الكيفية التي يصوغ بها الجمهور مستقبل تداول الأخبار والمعلومات. وقد أعد كل من شين بومان وكريس ويليس دراسة ضمن تقرير النصف الأول من عام 2003 يرون فيها أن الغرض من هذه المشاركة الإعلامية توفير تلك المعلومات المستقلة والدقيقة التي تحتاجها الديمقراطية فيما يتعلق ببحث القضايا التي تحتاج توفر معلومات ذات صلة ويمكن الاعتماد عليها (15). وهذا المصطلح لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الصحافة المدنية، تلك التي يقوم بها الصحافيون المحترفون. صحافة المواطن هي جزء من محدد من مفهوم إعلام المواطن citizen media مثله في ذلك مثل مصطلح المحتوى الذي يبتكره المواطن (16).

وقد صنفت الباحثة الإعلامية جيه دي لاسيكا المحتوى الذي يقدمه المواطن الصحافي إلى 6 فئات تتمثل فيما يلي (17):

* مشاركة الجمهور المتلقي (مثل تلك التعليقات التي يكتبها المواطن استجابة للقصص الإخبارية، والمدونات الشخصية، وتلك الصور محدودة الكفاءة التي التقطها الأشخاص بكاميرات هواتفهم الجوالة، وتلك الأخبار المحلية التي يكتبها شخص مقيم ضمن مجتمع ما من المجتمعات).
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة (مثل تقارير المستهلكين أو تقارير السخرة في العمل Drudge Report).
* المواقع الإخبارية ذات المعالجة الناضجة (مثل موقع OhmyNews International).
* المواقع الإعلامية التي يشترك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه Collaborative and contributory media sites.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

هذا التحدي ذو طابع إعلامي وليس تقنيا. ويمكن اعتباره نوع من تنامي البنية الفوقية الإعلامية المترتب على تلك التطورات التي حدثت في مجال البنية التحتية المرتبطة بالإنترنت، مثل Web 2.0 وWeb 3.0.

ج - ظهور مفهوم إعلام نمط الحياة: في إطار الحديث عن Web 2.0 أشار تقرير مؤسسة برايس ووترهاوس إلى نمط جديد من الأنماط الإعلامية المتمثلة في "إعلام نمط الحياة" أو Lifestyle Media. لتشير به إلى موجة جديدة من أنماط الإعلام تعبر عن الخبرة الإعلامية الشخصية ضمن سياق اجتماعي. ويشير تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006 إلى أن المستخدمين الإعلاميين النافذين الذين يتفاعلون مع الشبكات الاجتماعية على Web 2.0 يطلبون منتجات إعلامية تسمح لهم بزيادة القيمة المستفادة من المحتوى الإعلامي المتنوع ضمن وقت الفراغ المحدود المتاح لديهم (18).

فمرتادو الشبكات الاجتماعية المختلفة والمتعددة لهم مشارب واهتمامات مختلفة، وبعضهم يرى أن هذه الاهتمامات لا تجد لها التغطية الكافية التي تلبي كافة احتياجاتهم كافة الأنشطة التي يقومون بها وكافة المساحات الموضوعية التي يهتمون بها، وهو ما يدفعهم لتقديم محتوى يخصهم وحدهم، وربما يمكنهم نقله لغيرهم.

ويوضح الخبراء أن هذا النمط من الأنماط الإعلامية وفق هذا التوضيح عاليه يتسم بسمتين هامتين تتمثل أولاهما في أن هذا النمط يعطي المستخدم القدرة على اكتشاف أو تقديم محتوى جديد، وتتمثل ثانيتهما في أن هذا النمط يتيح للمستخدمين اختيار كيفية توزيع هذا المحتوى (19). فهذه النشاطات الخاصة بالمستخدمين – سواء أكانوا مجموعة علماء أم مجموعة من الساسة أصحاب وجهات النظر الجديدة موضع التضييق أو كانوا مجرد جماعة رفاق (شلة) - تقدم لهم خيارات جديدة تندرج ضمن دائرة اهتماماتهم وتمكنهم من تحديد طريقة قضاء الوقت المحدود المتاح لديهم.

د - تراجع إمكانيات التعتيم: سبق أن أشرنا لمدى تأثير المرحلة ما بعد التفاعلية على الإنترنت كوسيط إعلامي وما ارتبط به من توسيع نطاق إنتاج المحتوى الإعلامي. والقيمة المضافة الجديدة في هذه المساحة أن إمكانيات التعتيم على هذا المحتوى صارت بعيدة المنال.

فمن ناحية، يمكن القول بأن اندراج الإصدارات الإعلامية الجديدة تحت اسم نطاق لا صلة له باسم نطاق خاص باتجاه أو تيار يجعل من المستحيل منع أو حجب هذه الإصدارة الإعلامية من دون التأثر بالتعامل مع الموقع الكبير الذي جعلت أنظمة التكويد فيه هذه المهمة أقرب للاستحالة العملية. ويمكن القول بأن خبرة التعاطي الأمني مع ظاهرة الإرهاب الخطيرة كشفت عمق هذه الأزمة حيث انتقلت المواجهة من جهة حظر المواقع إلى مساحة أخرى من الصعب فيها مواجهة الأمر بسبب انتقاله إلى مساحات المواجهة عبر قنوات المدونات من جهة وقنوات استضافة الفيديو الرقمي (20).

ومن ناحية ثانية، فإن الجيل الجديد من المدونات على سبيل المثال يستوعب تقنية تصدير واستيراد المحتوى (21)، بما يعني أن منع موقع ما من مواقع المدونات سيعني إمكان انتقال هذه المدونة بنفس محتواها القديم إلى موقع آخر بضغطة زر. وهو ما يقف حائلا دون إمكانية المنع أو الحجب. وهذه الإمكانات تستند لمنطق تحويل الإنترنت إلى قاعدة بيانات وهو ما ألمح إليه الخبراء في الحديث عن Web 3.0.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحول الإنترنت باتجاه قواعد البيانات سيجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المحتوى الخاص بها، وبخاصة مع تزايد الاتجاه نحو إنتاج التطبيقات التي تعتمد لغة MashUps التي تجمع البيانات المخزنة بصورة مستقلة لكنها تدمجها مع بعضها البعض في آليات عرض قائمة على ما يقارب مناهج نظم الخبرة المعروفة في تصنيف وعرض البيانات (22).

هـ – صدقية أكبر للحالة الإعلامية: دخلت ظواهر إعلامية جديدة حيز المنافسة مع وسائل الإعلام قاطبة بصفة عامة، ومع البث الذي تبثه القنوات الفضائية وشبكات الكابل، وكذلك تلك المواقع الإذاعية الشهيرة الموجودة أونلاين، بالإضافة لمواقع الصحف البارز أونلاين. وأبرز مساحات المنافسة تلك ما نراه من المدونات والمساحات الخاصة التي توفرها المواقع الكبرى مثل My Space وGoogle وYahoo، ويضاف إليها محطات إذاعات الإنترنت الخاصة والمحدودة التي يمكنها بواسطة برنامج صغير مثل Jet Audio أو غيره أن توفر بثا منتظما بمجرد توفر القدرة على استئجار مساحة محدودة على سيرفر، بالإضافة لمواقع بث الفيديو التي بدأت تشتهر وتكثر مثل You Tube أو MetaCafe وغيرها، بالإضافة إلى ظاهرة المنتديات، فضلا عن استمرار الشكل البدائي لما بعد التفاعلية المتمثل في القوائم البريدية والمواقع المجانية (23). هذه الصور التنافسية الجديدة بدأت تحد من درجة مصداقية البث الفصائلي المتحزب أونلاين، وتوفر سبل هز هذه المصداقية من خلال وسائل ملموسة من المحتوى الإعلامي تصل لدرجة التوثيق المرئي عبر تقنيات الفيديو؛ بما في ذلك التقنيات الرخيصة.

وفي المقدمة المفاهيمية تعرضنا لمفهوم الإنفوميديا وما أنتجه من تقارب بين وسائل الاتصال المختلفة، وهو ما أعطى لوسائل الاتصال غير الإعلامي كالهواتف الجوالة أدوارا إعلامية. ففي الجيل الثالث من الهواتف المحمولة هناك مجموعة من البرامج التي تتيح لصاحب الهاتف الجوال أن يكون وسط الأحداث فيقوم بتصوير مجموعة من مشاهد الفيديو أو الوثائق أو الصور؛ ثم ينقلها بضغطة زر إلى مدونته الموجودة على الإنترنت ليراها الناس لحظة حدوثها (24). وهذه التقنية ليست بدعا من أصحاب شركات الهواتف الجوالة، بل تم هذا بالتنسيق ما بين شركات إنتاج الهواتف الجوالة وشركات إنتاج التطبيقات الحاسوبية والشركات الراعية لبعض مواقع المدونات بحيث تتيح بعض مواقع المدونات للمشتركين أصحاب المدونات أن يجروا بعض الإعدادات الخاصة لمدوناتهم لتزويدها عبر الهواتف النقالة (25).

و - تطور خريطة تدفق العمل الصحافي: يمكن القول بان عملية التحرير الصحافي في المؤسسات الصحافية الورقية أو الإليكترونية كانت تتم وفق المتسلسلة التالية (26):

* التخطيط لتغطية الخبر (المتوقع والمتابع) أما المفاجئ فلا يخطط له، ويتم ذلك من خلال تحديد محاور الخبر ونقاطه الرئيسية، وجمع الخلفيات المتعلقة به من قسم المعلومات أو من أرشيف المحرر الصحفي الخاص به.
* جمع المعلومات من المصادر المختلفة البشرية والوثائقية.
* التقاط الصور الفوتوغرافية المناسبة للخبر بواسطة المحرر أو المصور الصحفي.
* مراجعة المادة الصحفية المكتوبة والمصورة واستكمالها، ووضع خلفيات للحدث يمكن من خلال الضغط على كلمة معينة داخل النص استدعاء مواد أخرى ذات صلة بالخبر المنشور وذلك حال الصحف الإلكترونية.
* تقييم المادة الصحفية المكتوبة والمصورة وتحديد صلاحيتها للنشر بواسطة المحرر المسئول، أو غيره حسب خط سير النص الصحفي داخل الوسيلة المعنية بالنشر.
* تجهيز الرسوم اليدوية التعبيرية والتوضيحية والساخرة التي سوف تصاحب الموضوعات أو تنشر بمفردها.
* اختيار البناء الفني للنص الصحفي: أي تحديد شكل المادة الإخبارية المخطط لنشرها (مقال – تحقيق- خبر – حوار- تقرير- فلاش – بانر- ساحة حوار).
* التحرير النهائي للنص الصحفي.
* المراجعة النهائية للنص الصحفي المحرر.
* التقييم النهائي وتحديد أولويات النشر.

غير أن تغير الأنماط الإعلامية جعل هذه المراحل الخاصة بالعمل الإعلامي المهني الكلاسيكي تقليدا مهنيا ربما لن يصمد كثيرا أمام المتغيرات الإعلامية المرتبطة بضرورة ملاحقة الحدث أونلاين. وقد سبق أن أشرنا إلى أنماط الإنتاج الإعلامي الخاصة بمفهوم المواطن الصحافي، والتي يمكن الإشارة إليها سريعا فيما يلي (27):

* مشاركة الجمهور المتلقي.
* المواقع الإخبارية والمعلوماتية المستقلة.
* المواقع الإخبارية المتخصصة ذات المعالجة الناضجة.
* المواقع الإعلامية التي تشارك أصحابها في إنتاج محتواها أو تطوعوا لإنتاجه.
* الأنواع المختلفة من الإعلام الارتجالي أو المسمى Thin Media (المجموعات البريدية والنشرات الإخبارية).
* المواقع الإذاعية الشخصية.

ويختلف إنتاج المحتوى من وسيلة لأخرى من هذه الوسائل. ولا شك في أن المواقع الأكثر نضجا في إنتاج محتواها الإعلامي قد توكل عملية إنتاج هذا المحتوى لمتطوع ذو خبرة يقترب كثيرا من هذه التقاليد، وربما كان بعض المواقع المندرجة تحت لافتة غير ناضجة يصدره من له خبرة بالعمل الصحافي مثل كثيرا من المدونات العربية التي يصدرها صحافيون ينشرون بها ما لا يجد طريقه للنشر بالصحف العادية (28).

غير أن اعتبار العفوية غالبا ما يكون مهيمنا على العمل المندرج تحت مفهوم صحافة المواطن، ولكنه مع ذلك يحوز على مصداقية عالية (29). ولعل درجة الإقبال العالية على مدونة مثل مدونة الوعي المصري، وحصول صاحبها وائل عباس على جائزة عن مجمل أعماله لكشف الفساد خلال عام 2005 - 2006 من "المنظمة الأفرومصرية لحقوق الإنسان"، بالإضافة لفوزه بجائزة "نايت الدولية للصحافة" لعام 2007 يمثلان مؤشرا على درجة الصدقية التي يتعامل بها الزوار مع مثل هذه المدونة (30).

غير أن نموذج صفحة عيون المشاهد الذي تقدمه شبكة إسلام أونلاين يمثل درجة وسطى بين تقاليد العمل الصحافي وبين العفوية الصادرة عن المواطن الصحافي بتجليه الحقيقي. فهذه الصفحة تعمل بفلسفة تقوم على صنع ملفات مختلفة تقوم في إطارها باستقبال مساهمات زوار الموقع في صورة ملفات نصية مزودة بصور فوتوغرافية، حيث يتولى المحرر المسؤول بالصفحة انتقاء الصور وتحرير النص ليليق بالنشر في صفحة تتبع موقع إسلام أونلاين. وقد لاقت الصفحة نجاحا كبيرا آذن باتجاهها لتصبح موقعا مستقلا في الأمد القريب. كما تتجه الصفحة لتدريب المتميزين من زوارها عبر استثمار تقنية التدريب الإليكتروني التي يبرز فيها موقع إسلام أونلاين كأحد المواقع الرائدة في مجال التدريب الإليكتروني (31).

و - وفرة المحتوى وسيولته: كما سبق ورأينا، في عرض أليكس إيسكولد، فإن مقدار المعلومات المخزنة على الإنترنت صار يقدر بالتيرابايت وليس بالجيجابايت، وهذا قدر ضخم جدا من البيانات (32). ولنا أن ننظر إلى الفلسفة الإعلامية التي تحكم العالم الإعلامي الذي نقبل عليه والذي سيدلنا على أن حجم المعلومات التي ننتظرها في المستقبل سيكون فلكيا بالنظر إلى الاتجاه نحو تحويل كل مستخدمي الإنترنت إلى منتجين للمحتوى الاتصالي، ولنا أن نتخيل تنوع هذا الكم ما بين محتوى معلوماتي سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ديني وغير ديني، بالإضافة للمحتوى المعبر عن النشاط الاقتصادي التجاري والتسويقي والدعائي غير المعلوماتي، ويمكننا أن نضيف إليه الجانب الترفيهي الهائل؛ سواء منه ما كان مجانيا أو اقتصاديا. هذه المؤشرات تدلنا على حالة قوية من حالات السيولة التي تنتظرنا، والتي سيكون فيها من العبث الاستمرار في إنتاج المعلومات بدون التوقف للحظات لتقويم هذا المحتوى، وتصنيفه، والابتكار في الخدمات المتعلقة بالانتقاء منه، وإنتاج ما يراعي مواءمات هذا المحتوى للاحتياجات الفردية.

إن ما ستقودنا إليه تلك التطورات الحادثة في مساحة Web 3.0 أن نقيم أداء المواقع الإعلامية المختلفة في سياق ما تقدمه لنا من خدمات تيسير الحصول على المحتوى الذي نريد. وهذه النوعية من الخدمات هي التي ميزت محرك بحث جوجل Google في مجال البحث عن النصوص عن غيره من محركات البحث القوية، كما ميزت محرك البحث الخاص بموقع Yahoo وAll The Web فيما يتعلق بالبحث عن ملفات المالتيميديا. وفي هذا الإطار تظهر مواقع تتقدم في ترتيبها بسبب ما توفره من خدمة الفرز والانتقاء والتجميع مع تقديم خاصية تتعلق بلياقة المحتوى للفرد، ومنها ما أشار إليه الباحث أليكس إيسكولد من مواقع مثل Del.icio.us. ويمكن في هذا الإطار طرح خبرة صفحة "أجندة الفعاليات" التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين في محاولة منها لإنقاذ الفعاليات المبثوثة أونلاين من أن تتوه في خضم هذا الكم الهائل من السيولة المعلوماتية. وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الصفحة لاحقا. فمثل هذه الخدمات ستكون مهمة ومميزة للمواقع التي تقدم خدمات في مجال الإعلام الإليكتروني، ولا يمكنها أن تتجاهلها.

ولا شك في أن من بين المهام الأساسية التي يمكن في إطارها ضبط هذه السيولة حدوث تقدم نوعي في مجال الفهرسة الإليكترونية المسماة Folksonomy والتي تمثل اليوم عمودا فقاريا لجهود فهرسة وتجميع المواد المتناظرة والمتشابهة بسبيل تحقيق مزيد من توثيق وتنظيم المحتوى وتصنيفه بما يتيح للتطبيقات الحاسوبية أن تقوم بوظيفة التصنيف والانتقاء وتجويد عرض النفائس المخبأة (33).

ز – تطور الأدوار الاجتماعية للوسيلة الإعلامية: بالنظر لأنموذج إعلام نمط الحياة الذي أوردناه سلفا، يمكننا الإشارة لدرجة من التبدل يصيب أدوار المؤسسات الإعلامية، أو ربما هو نوع من التطور يصيب المؤسسات العاملة في مجال التنمية، بحيث يصبح لهذه المؤسسات جملة من الأدوار التي يتضافر فيها نمط العمل الإعلامي الموجه مع نمط التشبيك الاجتماعي التنموي. أو ربما تنشأ جماعة يكون لها هدفا تنمويا لكنها تتخذ الإعلام مدخلا لتعبئة الجمهور المحتمل خلف قضيتهم مهما دق حجمها.

وكان أحد الباحثين المشاركين بهذه الدراسة قد أجرى بحثا حول الجيل الثالث من المنتديات، مشيرا إلى خاصية مهمة لهذا الجيل تتمثل في المحدودية الجغرافية التي يعبر عنها هذا الجيل مع اهتمامه بقضايا تنموية بالغة الصغر تتعلق بالتوعية البيئية من قبيل قضايا كالنظافة والتنبيه لبعض الأخطار التي تنشأ في المنطقة التي تعبر عنها هذه المنتديات (34).

ح – إثراء الدراسات الإعلامية: بالنظر إلى أدبيات علوم الإعلام التي غالبا ما تكون فيها الأدبيات النظرية تبعا لتطور واستقرار العمل بالوسائل الإعلامية، فإن من المرتقب أن تسفر تلك التطورات عن حزمة جديدة من الاهتمام البحثي والأكاديمي بالنشاط الإعلامي أونلاين بصورة خاصة وفي أوساط الإنفوميديا بصفة عامة، وذلك في محاولة لاستكشاف قيم إعلامية جديدة ضمن هذا التدفق الإعلامي الوافر، أو محاولة ضبط هذا المنتج ببعض القواعد التي تزيد من "مهننته" Profissionalization وحرفيته؛ ومن ثم فاعليته وتأثيره.

ط – ما بعد التدوين: المحصلة الرئيسية التي رأيناها من استعراض مجمل المقدمات السابقة تتمثل في حدوث طفرة على صعيدين:

* الصعيد الأول يتمثل في التنامي الكيفي للمساحة التعبيرية التي أتاحتها الإنترنت الجديدة لمستخدمها. ويمكننا في هذا الإطار أن نتحدث عن تلك السعة الهائلة في الإمكانيات التي أعطيت لمفهوم المواطن الصحافي.

فإبان فكرة مفهوم المواطن الصحافي. كانت انعكاسات فكرة مفهوم المواطن الصحافي وفيرة لكنها لم تزل محدودة في حيز النص المكتوب، مع بعض الإمكانيات الخاصة بمساحة صغيرة للفيديو مع مساحة معينة للتصوير، يمكن القول بأن إمكانات الإنفوميديا قد أنمتها عبر آليات مثل Mobile Bloging. أما ما يحدث الآن من طفرة فيمكن أن يتجاوز واقع التدوين لصالح بناء منظومة قوية تتيح الاستفادة من خدمات الشبكة المختلفة، بحيث يمكن لمدونة صغيرة أن تستورد عدد كبير ذو وزن ضخم من أفلام الفيديو وملفات الصوت من تلك المواقع التي توفر خدمة استضافة هذه النوعية من الملفات مثل You Tube أو Foto Log، بحيث لم يعد ما لدينا من إمكانات هو نص يصحبه فيلم فيديو أو عدة صور مع إمكانية إرفاق هذا كله باستطلاع رأي محدود، بل صار لدينا حيز من تطبيقات الويب التي تستوعب بالإضافة لكل ما سبق إمكانية أن يضيف مطورو البرامج Web Developers عدد غير حصري من تطبيقات الويب الخفيفة ذات الصبغة الوظيفية التي تحتاج إليها الأعمال الإعلامية ذات الأهداف الاجتماعية.

ويمكن أن نختلس النظر إلى إمكانية متاحة الآن على شبكة الإنترنت تتمثل في موقع Face Book. فهذا الموقع يوفر إمكانيات نصية غير محدودة لزواره، مع إمكانية استضافة فيديو من أي موقع يستضيف الفيديو مجانا، أو أي موقع يستضيف أي من ملفات الصوت والصورة والفلاش. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل نجد مزيدات برامجية غير محدودة، سواء اكانت بتقنية MashUps أو تقنية APIs ذات وظائف ترفيهية وتواصلية مختلفة.

وقد يظن البعض أن ما نتصوره من إمكانيات قد يقتصر على مواقع Face Book أو HI5 أو غيرها من مواقع Social Web. لكن هذا ليس صحيحا. هذه البرامج متوفرة من خلال موارد برمجية مفتوحة Open Sources، ويمكن تطويرها لاستيعاب وظائف جديدة ومحددة. بل إن موقع مثل Face Book – كما سبق ورأينا - يجد دعما غير محدود من أولئك المهتمين بالمصادر البرمجية المفتوحة ومطوريها.

والمصدر الثاني من مصادر قوة هذا الجيل من مساحة الاتصال والتواصل يتمثل في إمكانية التشبيك العالية التي يتيحها، فهي تطبيقات ويب تعمل وفق منظومة WiKi التي تتيح أكثر من منفذ إدخال المحتوى، وتتيح إمكانيات التشارك في هذا المحتوى، سواء أكان التشارك مطلقا أم مقيدا. ولا يوجد سقف للتشارك، كما لا يوجد سقف لأشكال التشارك. فهناك الجيل الثاني من المجموعات البريدية، بالإضافة لإمكانيات استعراض العدد غير المحدود من المتشاركين لعدد غير محدود من مواد المحتوى. وكل ما تتطلبه فاعلية هذه الحالة التشبيكية القوية إيمان أحد أعضاء هذه الحالة بفكرة، ثم إقناع الناس بها ليبدأ تداولها في إطار تشبيكي.

* والصعيد الثاني يتمثل في تطور مجال العمل الإعلامي نفسه، ليصير بإمكاننا التحدث عن مرحلة جديدة من الإعلام الإليكتروني المنتمي. لقد رأينا من قبل تصنيفا للإعلام ما بين إعلام إخباري محترف وإعلام موجه، وهذا الصنف الثاني هو الذي نميل لتسميته بالإعلام المنتمي. والحالة التي نتصورها لمستقبل الإعلام على الإنترنت أنه سيتحول إلى وحدات صغيرة من الإعلام المنتمي، حيث لا يصير الإعلام الأساسي لمستخدم الإنترنت هو ذلك الذي يعرض الخبر أو المعلومة المتخصصة، بل سيصير الإعلام الأساسي بالنسبة لمستخدم المستخدم هو ذلك الإعلام الذي سيتلقاه عبر مجموعته الخاصة أو الـ Community الخاص به، وهي صورة ستكون قريبة لما نعرفه اليوم باسم إعلام نمط الحياة، حيث سيتحول كل شكل من أشكال الإعلام المنتمي إلى بناء المجتمع الخاص به، وبذلك يملك القدرة على الحشد والتعبير والتجييش لأجل الفكرة التي يؤمن بها.

وترجيحي إن ذلك الفتح في الموجة الجديدة من الإعلام الإنترنتي المنتمي سيكون من نصيب القطاع غير الحكومي بصورة أساسية، حيث ستلجأ إليه كل أطروحات التنمية المختلفة التي ستكون دوما في حاجة لبناء تجمع شبكي خاص بها لكسب التأييد عبر بنائها مجتمعها الخاص، ومن ثم تحقيق طموحاتها.

إن مثل هذه الحالة التي عرضناها يمكن أن تعتمد مبدئيا على المواقع المتاحة مثل Face Book أو My Space أو Hi5 أو غيرها من مواقع تطبيقات الويب التشاركية، لكنها أيضا يمكن أن تقوم على توظيف خاص لبعض المصادر المفتوحة من هذه البرامج وتطويرها. والميزة في البرامج المتاحة التي أشرنا إليها أنها مدعوة بمساحة تخزين هائلة متوفرة على الخادمات التي تستأجرها لا يمكن توفيرها لغيرها من المواقع الخاصة، كما أنها مواقع صعبة الحجب، ويمكن تبديلها في حال تعرضها للحجب بمواقع غيرها. لكن ربما تفضي التطورات التقنية الهائلة المتلاحقة إلى إنتاج واقع تقني جديد ترخص فيه مساحات السيرفرات المستأجرة، كما أفضت لتعذر عملية حجب بعض المواقع.

========
الإحالات المرجعية:
1 - Middle East & North Africa Statistics, Internet World Stats.
2 - Alex Simonelis, Histories of the Internet, Internet Society International Secretariat WebSite: ISOC, 28-Nov-2006.
3 - المرجع السابق.
4 - Wikipedia, the free encyclopedia: World Wide Web.
5 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
6 - Wikipedia, the free Encyclopedia: Web 2.0.
7 - William Brister, Web 2.0, EZine Articles web Magazine.
8 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 2.0.
9 - Michael Copeland Weaving the Semantic Web, Business2.com, July 3, 2007.
10 - Wikipedia, the free encyclopedia: Web 3.0.
11 - Heather Green A Web That Thinks Like You, Businessweek.com, July 9, 2007.
12 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة: مادة الإنفوميديا.
14 - وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، التطور في البنية التحتية للإنفوميديا، عدد مارس 2007، تقرير دوري غير منشور، ص: 12.
15 - المرجع السابق، ص ص: 13 – 14.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
17 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
18 - Mike Shields, CNN Goes Virtual, MediaWeek, 29/10/2007.
19 - Wikipedia, the free encyclopedia: Second Life.
20 - Second Life Economic Statistics.
21 - مصطلح التقطه الباحث من مقابلة علمية أجراها مع الأستاذ توفيق غانم المدير العام لشركة ميديا إنترناشيونال صاحبة امتياز مشروع إسلام أونلاين.
13 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة ما بعد التفاعلية.
14 - تقرير نادي دبي للصحافة لعام 2006، ص: 20.
15 - Bowman, S. and Willis, C. "We Media: How Audiences are Shaping the Future of News and Information." 2003, The Media Center at the American Press Institute.
16 - Wikipedia, the free encyclopedia: Citizen Journalism.
17 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
18 - تقرير نادي دبي للصحافة، عام 2006، ص: 23.
19 - المرجع السابق، ص ص: 23 – 24.
20 - يمكن على سبيل المثال مراجعة كم الفيديو المرتبط بأسامة بن لادن على موقع You Tube للتدليل على حجم هذه القضية، بالإضافة للمدونات الخاصة بالجماعات المنشقة المختلفة في الغرب ومن بينها الجيش الجمهوري الأيرلندي ومنظمة الباسك.
21 - يمكن في هذا الإطار مراجعة إمكانيات موقع المدونات البازغ Taking It Global التي تتيح مثل هذه الخدمة.
22 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
23 - موسوعة ويكيبيديا الحرة، مادة: ما بعد التفاعلية.
24 - راجع على سبيل المثال صفحات الترويج للهواتف الجوالة من الجيل الثالث في مواقع الهواتف الجوالة المختلفة.
25 - راجع إمكانيات المدونات في موقع Vox.com.
26 - ليلى عبد المجيد ومحمود علم الدين، فن التحرير الصحفي للجرائد والمجلات، السحاب للتوزيع والنشر، 2004. مع اعتبار أن الإشارات الخاصة بالصحافة الإليكترونية مصدرها: فاطمة فايز، وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين، خصائص المعالجة الصحافية.. رؤية مقارنة بين الصحافة المطبوعة والصحافة الإليكترونية، تقرير غير منشور، سبتمبر 2007.
27 - Lasica, J. D. "What is Participatory Journalism?" August 7, 2003, Online Journalism Review, August 7, 2003.
28 - راجع على سبيل المثال مدونة "المواطن" التي تصدرها الصحافية إيمان عبد المنعم أو مدونة " أنا إخوان" التي يصدرها الصحافي المصري محمود عبد المنعم.
29 - راجع على سبيل المثال مدونة الوعي المصري.
30 - موقع الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، فوز مصري وبورمية بجائزة نايت الدولية للصحافة، صفحة: جوائز وزمالات، 18/09/2007.
31 - تقرير تقويمي سنوي تصدره الصفحة لمتابعة وتقويم الأداء فيها (غير منشور).
32 - Alex Iskold, Web 3.0: When Web Sites Become Web Services, Read/Write Web 19/03/2007.
33 - Wikipedia, the free encyclopedia: Folksonomy.
34 - وسام فؤاد، الجيل الثالث من المنتديات.. قراءة في الوظيفة الاجتماعية لظاهرة المنتديات المحلية، دراسة غير منشورة، القاهرة، 2006.